اللهم ارحم أمواتنا والمؤمنين

 

اللهم ارحم أبي وأمي والصالحين

https://allahomerhammyfatherandrighteous.blogspot.com/

الجمعة، 8 يناير 2021

4/باب النهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه

باب النهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه

1 - عن عقبة بن عامر ‏(‏أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر‏)‏‏.‏

رواه أحمد ومسلم‏.‏

2 - وعن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ‏(‏لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك‏)‏‏.‏

رواه البخاري والنسائي‏.‏

3 - وعن ابن عمر ‏(‏أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ‏(‏لا يخطب الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب‏)‏‏.‏

رواه أحمد والبخاري والنسائي‏.‏

=====================

  باب في غير أولي الأربة

1 - عن أم سلمة ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان عندها وفي البيت مخنث فقال لعبد اللّه بن أبي أمية أخي أم سلمة يا عبد اللّه إن فتح اللّه عليكم الطائف فإني أدلك على ابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان وقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يدخلن هؤلاء عليكم‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏

2 - وعن عائشة ‏(‏قالت كان يدخل على أزواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مخنث قالت وكانوا يعدونه من غير أولي الأربة فدخل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة قال إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أرى هذا يعرف ما هنا لا يدخلن عليكم هذا فاحجبوه‏)‏‏.‏

رواه أحمد ومسلم وأبو داود وزاد في رواية له ‏(‏وأخرجه وكان بالبيداء كل جمعة يستطعم‏)‏‏.‏

3 - وعن الاوزاعي في هذه القصة ‏(‏فقيل يا رسول اللّه إنه إذ يموت من الجوع فأذن له أن يدخل في كل جمعة مرتين فيسأل ثم يرجع‏)‏‏.‏

رواه أبو داود‏.‏

قوله ‏(‏مخنث‏)‏ بفتح والنون وكسرها والفتح المشهور وهو الذي يلين في قوله ويتكسر في مشيته ويتثنى فيها كالنساء وقد يكون خلقة وقد يكون تصنعا من الفسقة ومن كان ذلك فيه خلقة فالغالب من حاله أنه لا أرب له في النساء ولذلك كان أزواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يعددن هذا المخنث من غير أولى الاربة وكن لا يحجبنه إلا أن ظهر منه ما ظهرمن هذا الكلام واختلف في اسمه فقال القاضي الأشهر أن اسمه هيت بكسر الهاء ثم تحتية ثم فوقية وقيل صوابه هنب بالنون والباء الموحدة قاله ابن درستويه وقال أن ماسواه تصحيف وأنه الأحمق المعروف وقيل اسمه ماتع بالمثناة فوق مولى فاختة المخزومية بنت عمرو بن بن عائد‏.‏ قوله ‏(‏تقبل بأربع وتدبر بثمان‏)‏ المراد بالأربع هو العكن جمع عكنة وهي الطية التي تكون في البطن يقال تعكن البطن إذا صار ذلك فيه ولكل عكنة طرفان فإذا رأهن الرائي من جهة البطن وجدهن أربعا وإذا رآهن من جهة الظهر وجدهن ثمانيا‏.‏ وقال ابن حبيب عن مالك معناه أن أعكانها ينعطف بعضها على بعض وهي في بطنها أربع طرائق وتبلغ أطرافها أي خاصرتها وفي كل جانب أربع‏.‏ قال الحافظ وتفسير مالك المذكور تبعه فيه الجمهور وحاصله أنه وصفها بأنها مملوءة البدن بحيث يكون لبطنها عكن وذلك لا يكون إلا للسمينة من النساء وجرت عادة الرجال غالبا في الرغبة فمن تكون بتلك الصفة وقيل الأربع هي الشعب التي هي اليدان والرجلان والثمان الكتفان والمتنتان والليتان والساقان ولا يخفي ضعف ذلك لأن كل امرأة فيها ما ذكر فلا وجه لجعله من صفات المدح المقصودة في المقام‏.‏ قوله ‏(‏هؤلاء‏)‏ اشارة إلى جميع المخنثين وروى البيهقي أنه كان المخنثون على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ثلاثة ماتع وهدم وهيت‏.‏ قوله ‏(‏من غير أولي الأربة‏)‏ الأربة والأرب الحاجة والشهوة إلى النساء لكبر أو تخنيث أو عنة‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏أرى هذا‏)‏ الخ بفتح الهمزة الراء قال القرطبي هذا يدل على أنهم كانوا يظنون أنه لا يعرف شيئا من أحوال النساء ولا يخطر له ببال ويشبه بأن التخنيث فيه خلقة وطبيعة ولم يعرف إلا ذلك ولهذا كانوا يعدونه من غير الأربة‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏وأخرجه‏)‏ لفظ البخاري ‏(‏أخرجوهم من بيوتكم قال فأخرج فلانا وفلانا‏)‏ ورواه البيهقي وزاد وأخرج عمر مخنثا وفي رواية وأخرج أبو بكر أخر‏.‏ قال العلماء إخراج المخنث ونفيه كان لثلاثة معان أحدها أنه كان يظن أنه من غير أولي الأربة ثم لما وقع منه ذلك الكلام زال الظن‏.‏ والثاني وصفه النساء ومحاسنهم وعوراتهن بحضرة الرجال وقد نهى أن يصف المرأة زوجها فكيف إذا وصفها غيره من الرجال لسائرهم‏.‏ الثالث أنه ظهر له منه أنه كان يطلع من النساء وأجسامهن وعوراتهن على مالا يطلع عليه كثير من النساء‏.‏ قوله ‏(‏فيسأل ثم يرجع‏)‏ أي يسأل الناس شيئا ثم يرجع إلى البادية والبيداء بالمد القفر وكل صحراء فهي بيداء كأنها تبيد سالكها أي تكاد تهلكه وفي ذلك دليل على جواز العقوبة بالإخراج من الوطن لما يخاف من الفساد والفسق وجواز الأذن بالدخول في بعض الأوقات للحاجة‏.‏

 باب في نظر المرأة للرجل

1 - عن أم سلمة قالت ‏(‏كنت عند النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وميمونة فأقبل ابن أم مكتوم حتى دخل عليه وذلك بعد أن أمر بالحجاب فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم احتجبا منه فقلنا يا رسول اللّه أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال أفعميا وأن أنتما ألستما تبصرانه‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه‏.‏

2 - وعن عائشة قالت ‏(‏رأيت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا الذي أسأمه فاقدروا وأقدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللّهو‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏

ولأحمد ‏(‏أن الحبشة كانوا يلعبون عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في يوم عيد قالت فاطلعت من فوق عاتقه فطأطأ لي منكبيه فجعلت أنظر اليهم من فوق عاتقه حتى شبعت ثم انصرفت‏)‏‏.‏

حديث أم سلمة أخرجه أيضا النسائي وابن حبان وفي إسناده نبهان مولى أم سلمة شيخ الزهري وقد وثق‏.‏ وفي الباب عن عائشة عند مالك في الموطأ أنها احتجبت من أعمى فقيل لها أنه لا ينظر اليك قالت لكني أنظر إليه‏.‏ وقد استدل بحديث أم سلمة هذا من قال انه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم على الرجل نظر المرأة وهو أحد قولي الشافعي وأحمد والهادوية‏.‏ قال النووي وهو الأصح ولقوله تعالى ‏{‏وقل للمؤمنات بغضضن من أبصارهن‏}‏ ولأن النساء أحد نوعي الآدميين فحرم عليهن النظر إلى النوع الآخر قياسا على الرجال ويحققه أن المعنى المحرم للنظر هو خوف الفتنة وهذا في المرأة أبلغ فإنها اشد شهوة وأقل عقلا فتسارع إليها الفتنة أكثر من الرجل واحتج من قال بالجواز فيما عدا ما بين سرته وركبته بحديث عائشة المذكور في الباب ويجاب عنه بأنها كانت يومئذ غير مكلفة على ما تقضي به العبارة المذكورة في الباب ويؤيد هذا احتجابها من الأعمى كما تقدم وقد جزم النووي بأن عائشة كانت صغيرة دون البلوغ أو كان ذلك قبل الحجاب وتعقبه الحافظ بأن في بعض طرق الحديث ان ذلك كان بعد قدوم وفد الحبشة وان قدومهم كان سنة سبع‏.‏ ولعائشة يومئذ ست عشرة سنة‏.‏ واحتجوا ايضا بحديث فاطمة بنت قيس المتفق عليه انه صلى اللّه عليه وآله وسلم امرها ان تعتد في بيت أم مكتوم وقال انه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده ويجاب بأنه يمكن ذلك مع غض البصر منها ولا ملازمة بين الأجتماع في البيت والنظر واحتجوا أيضا بالحديث الصحيح في مضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى النساء في يوم العيد عند الخطبة فذكرهن ومعه بلال فأمرهن بالصدقة وقد تقدم ويجاب أيضا بأن ذلك لا يستلزم النظر منهن لامكان سماع الموعظة ودفع الصدقة مع غض البصر وقد جمع أبو داود بين الأحاديث فجعل حديث أم سلمة مختصا بازواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم‏.‏ وحديث فاطمة وما في معناه لجميع النساء‏.‏ قال الحافظ في التلخيص قلت وهذا جمع حسن وبه جمع المنذري في حواشيه واستحسنه شيخنا انتهى‏.‏ وجمع في الفتح بأن الأمر بالأحتجاب من ابن أم مكتوم لعله لكون الأعمى مظنة أن ينكشف منه شيء ولا يشعر به فلا يستلزم عدم جواز النظر مطلقا‏.‏ قال ويؤيد الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال ولم يؤمر الرجال قد بالأنتقاب لئلا يراهم النساء فدل على مغايرة الحكم بين الطائفتين وبهذا احتج الغزالي‏.‏

قوله ‏(‏يلعبون في المسجد‏)‏ فيه دليل على جواز ذلك في المسجد وحكى ابن التين عن أبي الحسن اللخمي أن اللعب بالحراب في المسجد منسوخ في القرآن والسنة أما القرآن فقوله تعالى ‏{‏في بيوت أذن اللّه أن ترفع‏}‏ وأما السنة فحديث ‏(‏جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم‏)‏ وتعقب بأن الحديث ضعيف وليس فيه ولا في الآية تصريح بما أدعاه ولا عرف التاريخ فيثبت النسخ‏.‏ وحكى بعض المالكية عن مالك أن لعبهم كان خارج المسجد وكانت عائشة في المسجد وهذا لا يثبت عن مالك فإنه خلاف ما صرح به في طرق هذا الحديث كذا قال في الفتح‏.‏ وفي الحديث أيضا جواز النظر إلى اللّهو المباح وفيه حسن خلقه مع أهله وكرم معاشرته قوله‏:‏ ‏(‏حتى شبعت‏)‏ فيه استعارة الشبع لقضاء الوطر من النظر‏.‏

 باب لا نكاح الا بولي

1 - عن أبي موسى عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ‏(‏لا نكاح إلا بولي‏)‏‏.‏

2 - وعن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال أيما امرأة نكحت بغير أذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له‏)‏‏.‏

رواهما الخمسة إلا النسائي‏.‏ وروى الثاني أبو داود الطيالسي ولفظه ‏(‏لانكاح إلا بولي وأيما امرأة نكحت بغير أذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل فإن لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي له‏)‏‏.‏

3 - وعن أبي هريرة قال ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها‏)‏‏.‏

رواه ابن ماجه والدارقطني‏.‏ وعن عكرمة بن خالد ‏(‏جمعت الطريق ركبا فجعلت امرأة منهن ثيب أمرها بيد رجل غير ولي فأنكحها فبلغ ذلك عمر فجلد الناكح والمنكح ورد نكاحها‏)‏ رواه الشافعي والدارقطني‏.‏ وعن الشعبي ‏(‏ما كان أحد من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أشد في النكاح بغير ولي من علي كان يضرب فيه‏)‏ رواه الدارقطني‏.‏

حديث أبي موسى أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححاه وذكر له الحاكم طرقا‏.‏ قال وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش ثم سرد تمام ثلاثين صحابيا وقد طرقه الدمياطي من المتأخرين وقد اختلف في وصله وإرساله فرواه شعبة والثوري عن أبي إسحاق مرسلا ورواه اسرائيل عنه فأسنده وأبو إسحاق مشهور بالتدليس وأسند الحاكم من طريق علي بن المديني ومن طريق البخاري والذهلي وغيرهم أنهم صححوا حديث اسرائيل‏.‏ وحديث عائشة أخرجه أيضا أبو عوانة وابن حبان والحاكم وحسنه الترمذي وقد أعل بالإرسال وتكلم فيه بعضهم من جهة أن ابن جريج قال ثم لقيت الزهري فسألته عنه فأنكره وقد عد أبو القاسم بن منده عدة من رواه عن ابن جريج فبلغوا عشرين رجلا وذكر أن معمرا وعبيد اللّه بن زحر تابعا ابن جريج على روايته اياه عن سليمان بن موسى وأن قرة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وأيوب بن موسى وهشام بن سعد وجماعة تابعوا سليمان بن موسى عن الزهري‏.‏ قال ورواه أبو مالك الجنبي ونوح بن دراج ومندل وجعفر بن برقان وجماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة‏.‏ وقد أعل ابن حبان وابن عدي وابن عبد البر والحاكم وغيره الحكاية عن ابن جريج بإنكار الزهري وعلى تقدير الصحة لا يلزم من نسيان الزهري له أن يكون سليمان بن موسى وهم فيه‏.‏ وحديث أبي هريرة أخرجه أيضا البيهقي قال ابن كثير الصحيح وقفه على أبي هريرة وقال الحافظ رجاله ثقات وفي لفظ للدارقطني كنا نقول التي تزوج نفسها هي الزانية‏.‏ قال الحافظ فتبين أن هذه الزيادة من قول أبي هريرة وكذلك رواها البيهقي وقوفة في طريق ورواها مرفوعة في أخرى

ـ وفي الباب ـ عن ابن عباس عند أحمد وابن ماجه والطبراني بلفظ ‏(‏لانكاح إلا بولي‏)‏ وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف ومداره عليه قال الحافظ وغلط بعض الرواة فرواه عن ابن المبارك عن خالد الحذاء عن عكرمة والصواب حجاج بدل خالد‏.‏ وعن أبي بردة عند أبي داود الطيالسي بلفظ حديث ابن عباس‏.‏ وعن غيرهما كما تقدم في كلام الحاكم‏.‏ قوله ‏(‏لا نكاح إلا بولي‏)‏ هذا النفي يتوجه إما إلى الذات الشرعية لأن الذات الموجودة أعني صورة العقد بدون ولي ليست بشرعية أو يتوجه إلى الصحة التي هي أقرب المجازين إلى الذات فيكون النكاح بغير ولي باطل كما هو مصرح بذلك في حديث عائشة المذكور وكما يدل عليه حديث أبي هريرة المذكور لأن النهي يدل على الفساد المرادف للبطلان‏.‏ وقد ذهب إلى هذا علي وعمر وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبو هريرة وعائشة والحسن البصري وابن المسيب وابن شبرمة وابن أبي ليلى والعترة وأحمد وإسحاق والشافعي وجمهور أهل العلم فقالوا لا يصح العقد بدون ولي‏.‏ قال ابن المنذر إنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك‏.‏ وحكى في البحر عن أبي حنيفة أنه لا يعتبر الولي مطلق لحديث الثيب أحق بنفسها من وليها وسيأتي وأجيب بأن المراد اعتبار الرضى منها جمعا بين الإخبار كذا في البحر‏.‏ وعن أبي يوسف ومحمد للولي الخيار في غير الكفء وتلزمه الإجازة في الكفء وعن مالك يعتبر الولي في الرفيعة دون الوضيعة وأجيب عن ذلك بأن الأدلة لم تفصل وعن الظاهرية أنه يعتبر في البكر فقط وأجيب عنه بمثل ما أجيب به عن الذي قبله ‏.‏ وقال أبو ثور يجوز لها أن تزوج نفسها بإذن وليها آخذا بمفهوم‏.‏ قوله ‏(‏أيما امرأة نكحت بغير أذن وليها‏)‏ ويجاب عن ذلك بحديث أبي هريرة المذكور والمراد بالولي هو الأقرب من العصبة من النسب ثم من السبب ثم من عصبته وليس لذوي السهام ولا لذوي الأرحام ولاية وهذا مذهب الجمهور وروي عن أبي حنيفة أن ذوي الأرحام من الأولياء فإذا لم يكن ثم ولى أو كان موجودا وعضل انتقل الأمر إلى السلطان لأنه ولي من لا ولي له كما أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس وفي إسناده الحجاج بن أرطاة‏.‏

 باب ما جاء في الإجبار والاستئمار

1 - عن عائشة ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم تزوجها وهي بنت ست سنين وأدخلت عليه وهي بنت تسع سنين ومكثت عنده تسعا‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏ وفي رواية ‏(‏تزوجها وهي بنت سبع سنين وزفت إليه وهي بنت تسع سنين‏(‏رواه أحمد ومسلم‏.‏

الحديث أورده المصنف للاستدلال به على أنه يجوز للأب أن يزوج ابنته الصغيرة بغير استئذانها ولعله أخذ ذلك من عدم ذكر الاستئذان وكذلك صنع البخاري قال الحافظ وليس بواضح الدلالة بل يحتمل أن يكون ذلك قبل ورود الأمر باستئذان البكر وهو الظاهر فإن القصة وقعت بمكة قبل الهجرة‏.‏ وفي الحديث أيضا دليل على أنه يجوز للأب أن يزوج ابنته قبل البلوغ‏.‏ قال المهلب أجمعوا أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر ولو كانت لا يوطأ مثلها الا أن الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ وحكى ابن حزم عن ابن شبرمة مطلقا إن الأب لا يزوج ابنته الصغيرة حتى تبلغ وتأذن وزعم أن تزوج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عائشة وهي بنت ست سنين كان من خصائصة ويقابله تجويز الحسن والنخعي للأب أن يجبر ابنته كبيرة كانت أو صغيرة بكرا كانت أو ثيبا‏.‏ وفي الحديث أيضا دليل على أنه يجوز تزويج الصغيرة بالكبير وقد بوب لذلك البخاري وذكر حديث عائشة وحكى في الفتح الإجماع على جواز ذلك‏.‏ قال ولو كانت في المهد لكن لا يمكن منها حتى تصلح للوطء‏.‏

2 - وعن ابن عباس قال ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وأذنها صمائها‏)‏‏.‏

رواه الجماعة إلا البخاري وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داود والنسائي ‏(‏والبكر يستأمرها أبوها‏)‏ وفي رواية لأحمد والنسائي ‏(‏واليتيمة تستأذن في نفسها‏)‏ وفي رواية لأبي داود والنسائي ‏(‏ليس للولي مع الثيب أمر واليتيمة تستأمر وصمتها إقرارها‏)‏‏.‏

3 - وعن خنساء بنت خدام الأنصارية ‏(‏إن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فرد نكاحها‏)‏‏.‏

أخرجه الجماعة إلا مسلما‏.‏

4 - وعن أبي هريرة قال ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لا تنكح الأيّم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن قالوا يا رسول اللّه وكيف أذنها قال أن تسكت‏)‏‏.‏

رواه الجماعة‏.‏

5 - وعن عائشة ‏(‏قالت قلت يا رسول اللّه تستأمر النساء في ابضاعهن قال نعم قلت ان البكر تستأمر فتستحي فتسكت فقال سكاتها أذنها‏)‏‏.‏ وفي رواية قالت ‏(‏قال رسول اللّه البكر تستأذن قلت أن البكر تستأذن وتستحي قال أذنها صماتها‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏

6 - وعن أبي موسى ‏(‏إن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنت وإن أبت لم تكره‏)‏‏.‏

رواه أحمد‏.‏

7 - وعن أبي هريرة قال ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم تستأمر اليتيمة في نفسها فان سكتت فهو أذنها وان أبت فلا جواز عليها‏)‏‏.‏

رواه الخمسة الا ابن ماجه‏.‏

8 - وعن ابن عباس ‏(‏ان جارية بكرا أتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فذكرت ان أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني‏.‏ ورواه الدارقطني أيضا عن عكرمة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مرسلا وذكر أنه أصح‏.‏

9 - وعن ابن عمر قال ‏(‏توفي عثمان بن مظعون وترك ابنة له من خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون قال عبد اللّه وهما خالاي فخطبت إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون فزوجنيها ودخل المغيرة بن شعبة يعين إلى أمها فارغبها في المال فحطت إليه وحطت الجارية إلى هوى أمها فأبتا حتى ارتفع أمرها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال قدامة بن مظعون يا رسول اللّه ابنة أخي أوصى بها إلى فزوجتها ابن عمتها فلم اقصر بها في الصلاح ولا في الكفاءة ولكنها امرأة وإنما حطت إلى هوى امها قال فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم هي يتيمة ولا تنكح إلا بأذنها قال فانتزعت واللّه مني بعد أن ملكتها فزوجوها المغيرة بن شعبة‏)‏‏.‏

رواه أحمد والدارقطني وهو دليل على أن اليتيمة لا يجبرها وصي ولا غيره‏.‏

10 - وعن ابن عمر ‏(‏ان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال آمروا النساء في بناتهن‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود‏.‏

حديث أبي موسى أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وأبو يعلى والدارقطني والطبراني قال في مجمع الزوائد ورجال أحمد رجال الصحيح‏.‏ وحديث أبي هريرة أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وحسنه الترمذي‏.‏ وحديث ابن عباس أخرجه أيضا ابن أبي شيبة‏.‏ قال الحافظ ورجاله ثقات واعل بالإرسال ويتفرد جرير بن حازم عن أيوب ويتفرد حسين عن جرير وأجيب بأن أيوب بن سويد رواه عن الثوري عن أيوب موصولا وكذلك رواه معمر بن سليمان الرقي عن زيد بن حباب عن أيوب موصولا وإذا اختلف في وصل الحديث وإرساله حكم لمن وصله على طريقة الفقهاء وعن الثاني بأن جريرا توبع عن أيوب كما ترى‏.‏ وعن الثالث بأن سليمان بن حرب تابع حسين بن محمد عن جرير وانفصل البيهقي عن ذلك بأنه محمول على أنه زوجها من غير كفء‏.‏ وحديث ابن عمر الأول أورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه‏.‏ قال في مجمع الزوائد ورجال أحمد ثقات‏.‏ وحديثه الثاني فيه رجل مجهول‏.‏

ـ وفي الباب ـ عن جابر عند النسائي وعن عائشة غير ما ذكره المصنف عند النسائي أيضا قوله يستأمرها أبوها الاستئمار طلب الأمر والمعنى لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏خنساء بنت خدام‏)‏ هي بخاء معجمة ثم نون مهملة على وزن حمراء وأبوها بكسر الخاء المعجمة وتخفيف المهملة كذا في الفتح‏.‏ قوله ‏(‏لاتنكح الأيّم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن‏)‏ عبر للثيب بالاستئمار والبكر بالاستئذان ويؤخذ منه فرق بينهما من جهة إن الاستئمار يدل على تأكيد المشاورة وجعل الأمر إلى المستأمرة ولهذا يحتاج الولي إلى صريح أذنها فإذا صرحت بمنعه امتنع اتفاقا والبكر بخلاف ذلك والأذن دائر بين القول والسكوت بخلاف الأمر فإنه صريح في القول هكذا في الفتح ويعكر عليه ما في رواية حديث ابن عباس من ان البكر يستأمرها أبوها وان اليتيمة تستأمر وصمتها إقرارها‏.‏ وفي حديث عائشة ان البكر تستأمر الخ وكذلك في حديث أبي موسى وأبي هريرة‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏فحطت إليه‏)‏ أي مالت إليه وأسرعت بفتح الحاء المهملة وتشديد الطاء المهملة أيضا وقد استدل بأحاديث الباب على اعتبار الرضا من المرأة التي يراد تزويجها وأنه لا بد من صريح الأذن من الثيب ويكفي السكوت من البكر والمراد بالبكر التي أمر الشارع باستئذانها هي البالغة إذ لا معنى لاستئذان الصغيرة لأنها لا تدري ما الأذن‏.‏ قال ابن المنذر يستحب اعلام البكر أن سكوتها أذن لكن لو قالت بعد العقد ما علمت ان صمتي أذن لم يبطل العقد بذلك عند الجمهور وأبطله بعض المالكية‏.‏ وقال ابن شعبان منهم يقال لها ثلاثا إن رضيتي فاسكتي وإن كرهتي فانطقي‏.‏ ونقل ابن عبد البر عن مالك ان سكوت البكر اليتيمة قبل أذنها وتفويضها لا يكون رضا منها بخلاف ما إذا كان بعد تفويضها إلى وليها وخص بعض الشافعية الاكتفاء بسكوت البكر البالغ بالنسبة إلى الأب والجد دون غيرهما لأ،ها تستحي منهما أكثر من غيرهما والصحيح الذي عليه الجمهور استعمال الحديث في جميع الابكار وظهر أحاديث الباب ان البكر البالغة إذا زوجت بغير إذنها لم يصح العقد وإليه ذهب الأوزاعي والثوري والعترة والحنفية وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم وذهب مالك والشافعي والليث وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق إلى أنه يجوز للأب أن يزوجها بغير استئذان ويرد عليهم ما في أحاديث الباب من قوله ‏(‏وللبكر يستأمرها أبوها‏)‏ ويرد عليهم أيضا حديث عبد اللّه بن بريدة الذي سيأتي في باب ما جاء في الكفاءة وأما ما احتجوا به من مفهوم‏.‏

قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏الثيب أحق بنفسها من وليها‏)‏ فدل على أن ولي البكر أحق بها منها فيجاب عنه بأن المفهوم لا ينتهض للتمسك به في مقابلة المنطوق وقد أجابوا عن دليل أهل القول الأول بما قاله الشافعي من أن المؤامرة قد تكون على استطابة النفس ويؤيده حديث ابن عمر المذكور بلفظ ‏(‏وآمروا النساء في بناتهن‏)‏ قال ولا خلاف انه ليس للأم أمر لكنه على معنى استطابة النفس وقال البيهقي زيادة ذكر الأب في حديث ابن عباس غير محفوظة قال الشافعي زادها ابن عيينة في حديثه وكان ابن عمر والقاسم وسالم يزوجون الأبكار لا يستأمرونهن‏.‏

قال الحافظ وهذا لا يدفع زيادة الثقة الحافظ انتهى‏.‏ وأجاب بعضهم بأن المراد بالبكر المذكورة في حديث ابن عباس اليتيمة لما وقع في الرواية الأخرى من حديثه واليتيمة تستأمر فيحمل المطلق على المقيد واجيب بأن اليتيمة هي البكر وأيضا الروايات الواردة بلفظ تستأمرها وتستأذن بضم أوله هي تفيد مفاد قوله يستأمرها أبوها وزيادة بأنه يدخل فيه الأب وغيره فلا تعارض بين الروايات ومما يؤيد ما ذهب إليه الأولون حديث ابن عباس المذكور إن جارية بكرا الخ وأما الثيب فلا بد من رضاها من غير فرق بين أن يكون الذي زوجها هو الأب أو غيره وقد حكى في البحر الاجماع على اعتبار رضاها وحكى أيضا الإجماع على أنه لا بد من تصريحها بالرضا بنطق أو ما في حكمه والظاهر ان استئذان الثيب والبكر شرط في صحة العقد لرده صلى اللّه عليه وآله وسلم لنكاح خنساء بنت خدام كما في الحديث المذكور وكذلك تخييره صلى اللّه عليه وآله وسلم للجارية كما في حديث ابن عباس المذكور وكذلك حديث ابن عمر المذكور أيضا ويدل على ذلك أيضا حديث أبي هريرة المذكور لما فيه من النهي‏.‏ وظاهر قوله الثيب أحق بنفسها أنه لا فرق بين الصغيرة والكبيرة وبين من زالت بكارتها توطء حلال أو حرام وخالف في ذلك أبو حنيفة فقال هي كالبكر واحتج بأن علة الأكتفاء بسكوت البكر هي الحياء وهو باق فيمن زالت بكارتها بزنا لأن المسألة مفروضة فيمن لم يتخذ الزنا ديدنا وعادة وأجيب بأن الحديث نص على أن الحياء يتعلق بالبكر وقابلها بالثيب فدل على أن حكمهما مختلف وهذه ثيب لغة وشرعا وأما بقاء حيائها كالبكر فممنوع‏.‏

 باب الابن يزوج أمه

1 - عن أم سلمة ‏(‏أنها لما بعث النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يخطبها قالت ليس أحد من أوليائي شاهد فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ليس أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك فقالت لابنها يا عمر قم فزوج رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فزوجه‏)‏‏.‏

رواه أحمد والنسائي‏.‏

الحديث قد أعل بأن عمر المذكور كان عند تزوجه صلى اللّه عليه وآله وسلم بأمه صغيرا له من العمر سنتان لأنه ولد في الحبشة في السنة الثانية من الهجرة وتزوجه صلى اللّه عليه وآله وسلم بأمه كان في السنة الرابعة‏.‏ قيل رواية قم يا غلام فزوج أمك فلا أصل لها وقد استدل بهذا الحديث من قال بأن الولد من جملة الأولياء في النكاح وهم الجمهور‏.‏ وقال الشافعي ومحمد بن الحسن وروى عن الناصر ان ابن المرأة إذا لم يجمعها وأياه جد فلا ولاية له ورد بأن الابن يسمي عصبة اتفاقا وبأنه داخل في عموم قوله تعالى ‏{‏وأنكحوا الأيامى منكم‏}‏ لأنه خطاب للأقارب وأقربهم الأبناء وأجاب عن هذا الرد في ضوء النهار بأن ظاهر انكحوا صحة عقد غير الأقارب وإنما خصصهم الإجماع استنادا إلى العادة والمعتادة إنما هو غير الابن كيف والابن متأخر عن التزويج في الغالب والمطلق يقيد بالعادة كما عرف في الأصول والعموم لا يشمل النادر ولان نكاح العاقلة خاصة مفوض إلى نظرها وإنما الولي وكيل في الحقيقة ولهذا لو لم يمتثل الولي أمرها بالعقد لكفء لصح توكيلها غيره والوكالة لا تلزم لمعين ودفع بأن هذا يستلزم أن لا يبقى للولي حق وأنه خلاف الإجماع والتحقيق أنه ليس إلى نظر المكلفة إلا الرضا ويجاب عن دعوى خروج الابن بالعادة بالمنع أن أراد عدم الوقوع وان أراد الغلبة فلا يضرنا ولا ينفعه ومن جملة ما أجاب به القائلون بأنه لا ولاية للابن أن هذا الحديث لا يصح الاحتجاج به لأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يفتقر في نكاحه إلى ولي ومن جملة ما يستدل به على عدم ولاية الابن في النكاح قول أم سلمة ليس أحد من أوليائي شاهد مع كون ابنها حاضرا ولم ينكر عليها صلى اللّه عليه وآله وسلم ذلك‏.‏

 باب العضل

1 - عن مقعل بن يسار قال ‏(‏كانت لي أخت تخطب إلى فأتاني ابن عم لي فانحكهتها أياه ثم طلقها طلاقا له رجعة ثم تركها حتى انقضت عدتها فلما خطبت إلى أتاني يخطبها فقلت لا واللّه لا أنكحكها أبدا‏.‏ قال ففي نزلت هذه الآية وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ان ينكحن أزواجهن الآية‏.‏ قال فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه‏)‏‏.‏

رواه البخاري وأبو داود والترمذي وصححه ولم يذكر التكفير‏.‏ وفيه رواية للبخاري ‏(‏وكان رجلا لا بأس به وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه‏)‏ وهو حجة في اعتبار الولي‏.‏

قوله ‏(‏كانت لي أخت اسمها جميل‏)‏ بالضم مصغرا بنت يسار ذكره الطبري وجزم به ابن ماكولا وقيل اسمها ليلى حكاه السهيلي في مبهمات القرآن وتبعه المنذري‏.‏ وقيل فاطمة ذكره ابن إسحاق ويحمل على التعدد بأن يكون لهما اسمان ولقب أو لقبان واسم قوله‏:‏ ‏(‏ففي نزلت هذه الآية‏)‏ هذا تصريح بنزول هذه الآية في هذه القصة ولا يمنع ذلك كون ظاهر الخطاب في السياق للأزواج حيث وقع فيها وإذا طلقتم النساء لكن قوله فيها نفسها أن ينكحن أزواجهن ظاهر في أن ذلك يتعلق بالأولياء‏.‏ قوله ‏(‏فكفرت عن يميني وأنكحتها‏)‏ في لفظ للبخاري فقلت ‏(‏الآن أفعل يا رسول اللّه‏)‏‏.‏ قوله ‏(‏وكان رجلا لا بأس به‏)‏‏.‏ قال ابن التين أي كان جيدا وقد غيرته العامة فكنوا به عمن لا خير فيه

والحديث يدل على أنه يشترط الولي في النكاح ولو لم يكن شرطا لكان رغوب الرجل في زوجته ورغوبها فيه كافيا وبه يرد القياس الذي احتج به أبو حنيفة على عدم الأشتراط فإنه احتج بالقياس على البيع لأن المرأة تستقل به بغير أذن وليها فكذلك النكاح وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي المتقدمة على الصغيرة وخص بهذا القياس عمومها ولكنه قياس فاسد الأعتبار لحديث معقل هذا وانفصل بعضهم عن هذا الأيراد بالتزامهم اشتراط الولي ولكن لا يمنع ذلك تزويجها نفسها ويتوقف النفوذ على اجازة الولي كما في البيع وهو مذهب الأوزاعي وكذلك قال أبو ثور ولكنه يشترط أذن الولي لها في تزويج نفسها وتعقب بأن أذن الولي لا يصح الا لمن ينوب عنه والمرأة لا تنوب عنه في ذلك لأن الحق لها ولو أذن لها في انكاح نفسها صارت كمن أذن لها في البيع من نفسها ولا يصح وفي حديث معقل هذا دليل على أن السلطان لا يزوج المرأة إلا بعد أن يأمر وليها بالرجوع عن العضل فأن أحاب فذاك وإن أصر زوجها‏.‏

 باب الشهادة في النكاح

1 - عن ابن عباس ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة‏)‏‏.‏

رواه الترمذي وذكر أنه لم يرفعه غير عبد الأعلى وأنه قد وقفه مرة وأن الوقف أصح وهذا لا يقدح لأن عبد الأعلى ثقة فيقبل رفعه وزيادته وقد يرفع الراوي الحديث وقد يقفه‏.‏

2 - وعن عمران بن حصين عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ‏(‏لانكاح الا بولي وشاهدي عدل‏)‏‏.‏

ذكره أحمد بن حنبل في رواية ابنه عبد اللّه‏.‏

3 - وعن عائشة قالت ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لانكاح الا بولي وشاهدي عدل فإن تشاجروا ـ قوله‏:‏ فإن تشاجروا، الضمير عائد إلى الأولياء الدال عليه ذكر الولي والسياق والمراد بالاشتجار منع الأولياء عن العقد عليها وهذا هو العضل وبه تنتقل الولاية إلى السلطان ان عضل الأقرب وقيل بل تنتقل إلى الأكبر وانتقالها إلى السلطان مبني على منع الأقرب والأبعد وهو محتمل واللّه أعلم ـ فالسلطان ولي من لا ولي له‏)‏‏.‏

رواه الدارقطني‏.‏ ولمالك في الموطأ عن أبي الزبير المكي ‏(‏أن عمر بن الخطاب أتى بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة فقال هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمت‏)‏‏.‏

حديث ابن عباس قال الترمذي هذا حديث غير محفوظ لا نعلم أحدا رفعه إلا ما روى عن عبد الأعلى عن سعبد عن قتادة مرفوعا‏.‏ وروى عن عبد الأعلى عن سعبد هذا الحديث موقوفا والصحيح ما روى عن ابن عباس ‏(‏لانكاح الا ببينة‏)‏ وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن أبي عروبة نحو هذا موقوفا‏.‏ وحديث عمران ابن حصين أشار إليه الترمذي وأخرجه الدارقطني والبيهقي في العلل من حديث الحسن عنه وفي إسناده عبد اللّه بن محرز وهو متروك‏.‏ ورواه الشافعي من وجه آخرعن الحسن مرسلا‏.‏ وقال هذا وان كان مقطعا فإن أكثر أهل العلم يقولون به‏.‏ وحديث عائشة أخرجه أيضا البيهقي من طريق محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي عن عيسى بن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة كذلك وقد توبع الرقي عن عيسى‏.‏ ورواه سعيد بن خالد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان ويزيد بن سنان ونوح بن دراج وعبد اللّه بن حكيم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة كذلك وقد ضعف ابن معين كله واقره البيهقي وقد تقدم في باب لانكاح الا بولي طرف منه

ـ وفي الباب ـ عن ابن عباس غير حديثه المذكور عند الشافعي والبيهقي من طريق ابن خيثم عن سعيد بن جبير عنه موقوفا بلفظ ‏(‏لانكاح الا بولي مرشد وشاهدي عدل‏)‏ وقال البيهقي بعد أن رواه من طريق أخرى عن أبي خيثم بسنده مرفوعا بلفظ ‏(‏لانكاح الا بأذن ولي مرشد أو سلطان‏)‏ قال والمحفوظ الموقوف ثم رواه من طريق الثوري عن أبي خيثم به ومن طريق عدي بن الفضل عن أبي خيثم بسنده مرفوعا بلفظ ‏(‏لانكاح الا بولي وشاهدي عدل فإن نكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل‏)‏ وعدي بن الفضل ضعيف‏.‏ وعن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا عند البيهقي بلفظ ‏(‏لانكاح الا بأربعة خاطب وولي وشاهدين‏)‏ وفي إسناده المغيرة بن موسى البصري قال البخاري منكر الحديث‏.‏ وعن عائشة غير حديث الباب عند الدارقطني بلفظ ‏(‏لابد النكاح من أربعة الولي والزوج والشاهدين‏)‏ وفي إسناده أبو الخصيب نافع بن ميسرة مجهول وروي نحوه البيهقي في الخلافيات عن ابن عباس موقوفا وصححه وابن أبي شيبة بنحوه عنه أيضا‏.‏ وعن أنس أشار إليه الترمذي وقد استدل بأحاديث الباب من جعل الأشهاد شرطا وقد حكى ذلك في البحر عن علي وعمر وابن عباس والعترة والشعبي وابن المسيب والأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة أحمد بن حنبل‏.‏ قال الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ومن بعدهم من التابعين وغيرهم قالوا ‏(‏لانكاح الابشهود‏)‏ لم يختلفوا في ذلك من مضى منهم الا قوم من المتأخرين من أهل العلم وإنما اختلف أهل العلم في هذا إذا شهد واحد بعد واحد فقال أكثر أهل العلم من الكوفة وغيرهم لا يجوز النكاح حتى يشهد الشاهدان معا عند عقدة النكاح وقد روى بعض أهل المدينة إذا شهد واحد بعد واحد فإنه جائز إذا أعلنوا ذلك وهو قول مالك بن أنس وغيره‏.‏ وقال بعض أهل العلم يجوز شهادة رجل وامرأتين في النكاح وهو قول أحمد وإسحاق انتهى كلام الترمذي‏.‏ وحكى في البحر عن ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن ابن مهدي وداود انه لا يعتبر الاشهاد‏.‏ وحكى أيضا عن مالك أنه يكفي الاعلان بالنكاح والحق ما ذهب إليه الأولون لأن أحاديث الباب يقوي بعضها بعضا والنفي في قوله لانكاح يتوجه إلى الصحة وذلك يستلزم أن يكون الأشهاد شرطا لأنه قد استلزم عدمه عدم الصحة وما كان كذلك فهو شرط‏.‏ واختلفوا في اعتبار العدالة في شهود النكاح فذهبت القاسمية والشافعي إلى أنها تعتبر‏.‏ وذهب زيد بن علي وأحمد بن عيسى وأبو عبد اللّه الداعي وأبوحنيفة أنها لا تعتبر والحق القول الأول لتقييد الشهادة المعتبرة في حديث عمران بن حصين وعائشة اللذين ذكرهما المصنف وكذلك حديث ابن عباس الذي ذكرناه بالعدالة‏.‏

 

قوله ‏(‏أن يبتاع على بيع أخيه‏)‏ قد تقدم الكلام على هذا من كتاب البيع قوله ‏(‏ولا يخطب‏)‏ الخ استدل بهذا الحديث على تحريم الخطبة على الخطبة لقوله في أول الحديث ‏(‏لا يحل‏)‏ وكذلك استدل بالنهي المذكور في حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر وفي لفظ للبخاري ‏(‏نهى أن يبيع بعضكم على بيع بعض أو يخطب‏)‏ وفي لفظ لأحمد من حديث الحسن عن سمرة ‏(‏أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه‏)‏ وقد ذهب إلى هذا الجمهور وجزموا بأن النهي التحريم كما حكى ذلك الحافظ في فتح الباري‏.‏ وقال الخطابي ان النهي ههنا للتأديب وليس بنهي تحريم يبطل العقد عند أكثر الفقهاء‏.‏ قال الحافظ ولاملازمة بين كونه للتحريم وبين البطلان عند الجمهور بل هو عندهم للتحريم ولا يبطل العقد وحكى النووي ان النهي فيه للتحريم بالإجماع ولكنهم اختلفوا في شروطه فقالت الشافعية والحنابلة محل التحريم إذا صرحت المخطوبة بالإجابة أو وليها الذي أذنت له وبذلك قال الهادوية فلو وقع التصريح بالرد فلا تحريم وليس في الأحاديث ما يدل على اعتبار الإجابة‏.‏ وأما ما احتج به من قول فاطمة بنت قيس للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إن معاوية وأبا جهم خطباها فلم ينكر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ذلك عليهما بل خطبها لأسامة فليس فيه حجة كما قال النووي لاحتمال أن يكونا خطباها معا أو لم يعلم الثاني بخطبة الأول والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أشار بأسامة ولم يخطب كما سيأتي‏.‏ وعلى تقدير أن يكون ذلك خطبة فلعله كان بعد ظهور رغبتها عنهما‏.‏ وظاهر حديث فاطمة الآتي قريبا أن أسامة خطبها مع معاوية وأبي جهم قبل مجيئها إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وعن بعض المالكية لا تمتنع الخطبة إلا بعد التراضي على الصداق ولا دليل على ذلك‏.‏ وقال داود الظاهري إذا تزوجها الثاني فسخ النكاح قبل الدخول وبعده وللمالكية في ذلك قولان فقال بعضهم يفسخ قبله لا بعده قال في الفتح وحجة الجمهور أن المنهي عنه الخطبة وهي ليست شرطا في صحة النكاح فلا يفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة‏.‏ قوله ‏(‏لا يخطب الرجل على خطبة الرجل‏)‏ ظاهره أنه لا يجوز للرجل أن يخطب على خطبة الفاسق ولا على خطبة الكافر نحو أن يخطب ذمية فلا يجوز لمن يجوز نكاحها أن يخطبها ولكنه يقيد هذا الإطلاق بقوله في حديث أبي هريرة ‏(‏لا يخطب الرجل على خطبة أخيه‏)‏ فإنه لا أخوة بين المسلم والكافر وبقوله في حديث عقبة ‏(‏المؤمن أخو المؤمن‏)‏ الخ فإنه يخرج بذلك الفاسق وإلى المنع من الخطبة على خطبة الكافر والفاسق ذهب الجمهور قالوا والتعبير بالاخ خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له وذهب الأوزاعي وجماعة من الشافعية إلى أنها تجوز الخطبة على خطبة الكافر وهو الظاهر‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏حتى يترك‏)‏ وفي حديث عقبة حتى يذر في ذلك دليل على أنه يجوز للآخر أن يخطب بعد أن علم رغبة الأول عن النكاح وأخرج أبو الشيخ من حديث أبي هريرة مرفوعا ‏(‏حتى ينكح أو يدع‏)‏ قال الحافظ وإسناده صحيح‏.‏

 باب التعريض بالخطبة في العدة

1 - عن فاطمة بنت قيس ‏(‏أن زوجها طلقها ثلاثا فلم يجعل لها رسول اللّه سكنى ولا نفقة قالت وقال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا حللت فآذنيني فآذنته فخطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد فقال رسول اللّه أما معاوية فرجل ترب لامال له وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء ولكن أسامة فقالت بيدها هكذا أسامة أسامة فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم طاعة اللّه وطاعة رسوله قالت فتزوجته فاغتبطت‏)‏‏.‏

رواه الجماعة إلا البخاري‏.‏

2 - وعن ابن عباس ‏(‏فيما عرضتم به من خطبة النساء يقول أني أريد التزويج ولوددت أنه يسر لي امرأة صالحة‏)‏‏.‏

رواه البخاري‏.‏

3 - وعن سكينة بنت حنظلة قالت ‏(‏استأذن عليّ محمد بن علي ولم ينقض عدتي من مهلكه زوجي فقال قد عرفت قرابتي من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وقرابتي من علي وموضعي من العرب قلت غفر اللّه لك يا أبا جعفر إنك رجل يؤخذ عنك وتخطبني في عدتي فقال إنما أخبرتك بقرابتي من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ومن علي وقد دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم على أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة فقال لقد علمت انى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وخيرته من خلقه وموضعي من قومي كانت تلك خطبته‏)‏‏.‏

رواه الدارقطني‏.‏

حديث سكينة رواه الدارقطني من طريق عبد الحمن بن سليمان بن الغسيل عنها وهي عمته وهو منقطع لان محمد بن علي هو الباقر ولم يدرك النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم‏.‏ قوله ‏(‏لا سكنى ولانفقة‏)‏ سيأتي الكلام على ذلك‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏معاوية‏)‏ اختلف فيه فقيل هو ابن أبي سفيان وقيل غيره‏.‏ وفي صحيح مسلم بأنه هو‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏فرجل ضراب‏)‏ في رواية ‏(‏لا يضع عصاه عن عاتقه‏)‏ وهو كناية عن كثرة ضربه للنساء كما وقع التصريح بذلك في حديث الباب‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏فاغتبطت‏)‏ الغبطة بكسر الغين المعجمة حسن الحال والمسرة كما في القاموس‏.‏ قوله ‏(‏يقول أني أريد التزويج‏)‏ هو تفسير التعريض المذكور في الآية‏.‏ قال الزمخشري التعريض أن يذكر المتكلم شيئا يدل به على شيء لم يذكره وتعقب بأن هذا التعريف لا يخرج المجاز وأجاب سعد الدين بأنه لم يقصد التعريف ثم حقق التعريض بأنه ذكر شيء مقصود بلفظ حقيقي أو مجازي أو كنائي ليدل به على شيء آخر لم يذكر في الكلام مثل أن يذكر المجيء للتسليم ومراده التقاضي فالسلام مقصود والتقاضي عرض أي ميل إليه الكلام عن عرض أي جانب وامتاز عن الكناية فلم يشتمل على جميع أقسامها‏.‏ والحاصل أنهما يجتمعان ويفترقان فمثل جئت لا سلم عليك كناية وتعريض‏.‏ ومثل طويل النجاد كناية لا تعريض ومثل آذيتني فستعرف خطايا لغير المؤذى تعريض بتهديد المؤذى لا كناية وقد قيل في تفسير التعريض المذكور في الآية أن يقول لها أني فيك لراغب ولا يستلزم التصريح بالرغبة التصريح بالخطبة‏.‏ ومن التعريض ما وقع في حديث فاطمة بنت قيس عند أبي داود ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لها لا تفوتينا بنفسك‏)‏‏.‏ ومنه قول الباقر المذكور في الباب‏.‏ ومنه قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم لام سلمة كما في الحديث المذكور‏.‏ قال في الفتح واتفق العلماء على أن المراد بهذا الحكم من مات زوجها واختلفوا في المعتدة من الطلاق البائن وكذا من وقف نكاحها‏.‏ وأما الرجعية فقال الشافعي لا يجوز لأحد أن يعرض لها بالخطبة فيها والحاصل أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات والتعرض مباح للأولى وحرام في الأخيرة مختلف فيه في البائن‏.‏ واختلف فيمن صرح بالخطبة في العدة لكن لم يعقد الا بعد انقضائها فقال مالك يفارقها دخل أو لم يدخل‏.‏ وقال الشافعي يصح العقد وان ارتكب النهي بالتصريح المذكور لاختلاف الجهة‏.‏ وقال المهلب علة المنع من التصريح في العدة أن ذلك ذريعة إلى المواقعة في المدة التي هي محبوسة فيها على ماء الميت أو المطلق وتعقب بأن هذه العلة تصلح أن تكون لمنع العقد لا لمجرد التصريح الا أن يقال التصريح ذريعة إلى العقد والعقد ذريعة إلى الوقاع وقد وقع الاتفاق على أنه إذا وقع العقد في العدة لزم التفريق بينهما‏.‏ واختلفوا هل تحل له بعدذلك فقال مالك والليث والأوزاعي لا يحل نكاحها بعد وقال الباقون بل يحل له إذا انقضت العدة أن يتزوجها إذا شاء‏.‏

 باب النظر في الخطوبة

1 - في حديث الواهبة المتفق عليه فصعد فيها النظر وصوبه‏.‏ وعن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم انظر إليها فإنه أحرم أن يؤدم بينكما‏)‏‏.‏

رواه الخمسة إلا أبا داود‏.‏

2 - وعن أبي هريرة قال ‏(‏خطب رجل امرأة فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا‏)‏‏.‏

رواه أحمد والنسائي‏.‏

3 - وعن جابر قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول ‏(‏إذا خطب أحدكم المرأة فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود‏.‏

4 - وعن موسى بن عبد اللّه عن أبي حميد أو حميدة قال ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا خطب أحدكم أحدكم إمرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة وإن كانت لا تعلم‏)‏‏.‏

رواه أحمد‏.‏

5 - وعن محمد بن مسلمة قال ‏(‏سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول إذا ألقي اللّه عز وجل في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها‏)‏‏.‏

رواه أحمد وابن ماجة‏.‏

حديث الواهبة نفسها سيأتي في باب جعل تعليم القرآن صداقا ويأتي الكلام عنه هنالك إن شاء اللّه‏.‏ وحديث المغيرة أخرجه أيضا الدارمي وابن حبان وصححه‏.‏ وحديث أبي هريرة أخرجه أيضا مسلم في صحيحه من حديث أبي حازم عنه ولفظه ‏(‏كنت عند النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انظرت إليها قال لا قال فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا‏)‏ وحديث جابر أخرجه أيضا الشافعي وعبد الرزاق والبزار والحاكم وصحه‏.‏ قال الحافظ ورجاله ثقات وفي إسناده محمد بن إسحاق وأعله ابن القطان بواقد بن عبد الرحمن وقال المعروف واقد بن عمرو‏.‏ ورواية الحاكم فيها واقد بن عمرو وكذلك رواية الشافعي وعبد الرزاق وحديث أبي حميدة أخرجه أيضا الطبراني والبزار وأورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه‏.‏ وقال في مجمع الزوائد رجال أحمد رجال الصحيح‏.‏ وحديث محمد بن سلمة أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححاه وسكت عنه الحافظ في التلخيص‏.‏

ـ وفي الباب ـ عن أنس عند ابن حبان والدارقطني والحاكم وابن عوانة وصححوه وهو مثل حديث المغيرة‏.‏ وعنه أيضا عند أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بعث أم سلمة إلى امرأة فقال انظري إلى عرقوبيها وشمي معاطفها‏)‏ واستنكره احمد والمشهور فيه من طريق عمارة عن ثابت عنه‏.‏ ورواه أبو داود في المراسيل عن موسى بن اسمعيل عن حماد مرسلا‏.‏ قال ورواه محمد بن كثير الصنعاني عن حماد موصولا‏.‏

وعن محمد بن الحنفية عن عبد الرزاق وسعيد بن منصور ‏(‏أن عمر خطب إلى علي ابنته أم كلثوم فذكر له صغرها فقال أبعث بها أليك فإن رضيت فهي امرأتك فارسل بها إليه فكشف عن ساقها فقالت لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينيك‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أن يؤدم بينكما‏)‏ أي تحصل الموافقة والملائمة بينكما قوله‏:‏ ‏(‏فإن في أعين الأنصار شيئا‏)‏ قيل عمش وقيل صغر قال في الفتح الثاني وقع في رواية أبي عوانة في مستخرجه فهو المعتمد وأحاديث الباب فيها دليل على أن لا بأس بنظر الرجل إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها والأمر المذكور في حديث أبي هريرة وحديث المغيرة وحديث جابر للإباحة بقرينة قوله في حديث أبي حميد فلا جناح عليه وفي حديث محمد بن مسلمة فلا بأس وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء‏.‏ وحكى القاضي عياض كراهته وهو خطأ مخالف للأدلة المذكورة ولأقوال أهل العلم‏.‏ وقد وقع الخلاف في المواضع الذي يجوز النظر إليه من المخطوبة فذهب الأكثر إلى أنه يجوز إلى الوجه والكفين فقط وقال داود يجوز النظر إلى جميع البدن وقال الأوزاعي ينظر إلى مواضع اللحم وظاهر الأحاديث أن يجوز له النظر إليها سواء كان ذلك بإذنها أم لا وروى عن مالك اعتبار الإذن‏.‏

 باب النهي عن الخلوة بالأجنبية والأمر بغض النظر والعفو عن نظر الفجاة

1 - عن جابر ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يخلون بامراة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان‏)‏‏.‏

2 - وعن عامر بن ربيعة قال ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له فإن ثالثهما الشيطان إلا محرم‏)‏‏.‏

رواهما أحمد‏.‏ وقد سبق معناه لابن عباس في حديث متفق عليه‏.‏

3 - وعن أبي سعيد ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد ولا المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد‏.‏

4 - وعن جرير بن عبد اللّه قال ‏(‏سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن نظر الفجأة فقال أصرف بصرك‏)‏‏.‏

رواهما أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي‏.‏

5 - وعن بريدة قال ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لعلي يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود والترمذي‏.‏

6 - وعن عقبة بن عامر ‏(‏أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار يا رسول اللّه أفرأيت الحمو فقال الحمو الموت‏)‏‏.‏

رواه أحمد والبخاري والترمذي وصححه‏.‏ قال ومعنى الحمو يقال أخو الزوج كأنه كره أن يخلو بها‏.‏

حديث جابر وعامر يشهد لهما حديث ابن عباس الذي أشار إليه المصنف وقد تقدم في باب النهي عن سفر المرأة للحج من كتاب الحج وقد أشار الترمذي إلى حديث عامر‏.‏ وحديث بريدة قال الترمذي حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك وأخرجه بهذا اللفظ من حديث علي البزار والطبراني في الأوسط قال في مجمع الزوائد ورجال الطبراني ثقات والخلوة بالأجنبية مجمع على تحريمها كما حكى ذلك الحافظ في الفتح‏.‏ وعلى التحريم ما في الحديث من كون الشيطان ثالثهما وحضوره يوقعهما في المعصية وأما مع وجود المحرم فالخلوة بالأجنبية جائزة لامتناع وقوع المعصية مع حضوره واختلفوا هل يقوم غيره مقامه في ذلك كالنسوة الثقات فقيل يجوز لضعف التهمة‏.‏ وقيل لا يجوز وهو ظاهر الحديث‏.‏ حديث أبي سعيد أخرج نحوه أحمد والحاكم من حديث جابر وأخرجه أيضا أحمد وابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط من حديث أبي موسى وأخرجه أيضا البزار من حديث سمرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل‏)‏ الخ فيه دليل على أنه يحرم على الرجل نظر عورة الرجل وعلى المرأة نظر عورة المرأة وقد تقدم في كتاب الصلاة بيان العورة من الرجل والعورة من المرأة‏.‏ والمراد هنا العورة المغلظة‏.‏ فقال في البحر فصل يجب ستر العورة المغلظة من غير له الوطء إجماعا لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏احفظ عورتك‏)‏ الخبر ونحوه انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا يفضي الرجل‏)‏ الخ فيه دليل على أنه يحرم أن يضطجع الرجل مع الرجل أو المرأة مع المرأة في ثوب واحد من الإفضاء ببعض البدن لأن ذلك مظنة لوقوع المحرم من المباشرة أو مس العورة أو غير ذلك‏.‏ وحديث بريدة فيه دليل على أن النظر الواقع فجأة من دون قصد وتعمل لا يوجد اثم الناظر لأن التكليف به خارج عن الاستطاعة وإنما الممنوع منه النظر الواقع على طريقة التعميد أو ترك صرف البصر بعد الفجأة وقد استدل بذلك من قال بتحريم النظر إلى الأجنبية ولم يحكه في البحر إلا عن المؤيد باللّه وأبي طالب‏.‏ وحكى في البحر أيضا عن الفقهاء والإمام يحيى أنه يجوز ولو لشهوة وتعقبه صاحب المنار أن كتب الفقهاء ناطقة بالتحريم قال ففي منهاج النووي وهو عمدتهم ويحرم نظر فحل لالغ إلى عورة حرة أجنبية وكذا وجهها وكفيها عند خوف فتنة وكذا عند الأمن على الصحيح ثم قال في نظر الأجنبية إلى الأجنبي كهو اليها‏.‏ وفي المنتهى من كتب الحنابلة ولشاهد ومعامل نظر وجه مشهود عليها ومن تعامله وكفيها لحاجة والحنفية لا يجيزون النظر إلى الوجه والكفين مع الشهوة ولفظ الكنز ولا ينظر من اشتهى‏.‏ قال الشارح العيني في الشاهد لا يجوز له وقت التحمل أن يننظر إليها لشهوة هذا ما تعقب به صاحب المنار قال بهجة المحافل للعامري الشافعي في حوادث السنة الخامسة ما لفظه‏.‏ وفيها نزول الحجاب وفيه مصالح جليلة وعوائد في الإسلام جميلة ولم يكن لأحد بعده النظر إلى أجنبية لشهوة أو لغير شهوة وعفى عن نظر الفجأة انتهى‏.‏ وفي شرح السيلفية للإمام يحيى في شرح الحديث الرابع والعشرين في شرح‏.‏ قوله ‏(‏إياكم وفضول النظر فإنه يبذر الهوى ويولد الغفلة‏)‏ التصريح بتحريم النظر إلى النساء الأجانب الشهوة أو الغير شهوة‏.‏ وقال ابن مظفر في البيان إنه يحرم النظر إلى الأجنبية مع الشهوة اتفاقا‏.‏ وقال الإمام عز الدين في جواب له والصحيح المعمول عليه رواية شرح الأزهار وهي رواية البحر أن الإمام يحيى ومن يجوزون النظر ولو مع شهوة انتهى‏.‏ ومن جملة ما استدل به المانعون من النظر مطلقا قوله تعالى ‏{‏قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم‏}‏ وقوله تعالى ‏{‏فاسألوهن من وراء الحجاب‏}‏ وأجيب بأن ذلك خاص بأزواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لأنه إنما شرع قطعا لذريعة وقوف أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في بيته ولا يخفى أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب‏.‏

ـ ومن جملة ـ ما استدلوا به حديث ابن عباس عند البخاري ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أردف الفضل بن العباس يوم النحر خلفه وفيه قصة المرأة الوضيئة الخثعمية فطفق الفضل ينظر إليها فأخذ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بذقن الفضل فحول وجهه عن النظر إليها‏)‏‏.‏ وأجيب بأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إنما فعل ذلك لمخافة الفتنة لما أخرجه الترمذي وصححه من حديث علي وفيه فقال العباس لويت عنق ابن عمك فقال رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما الفتنة‏.‏

وقد استنبط منه ابن القطان جواز النظر عند أمن الفتنة حيث لم يأمرها بتغطية وجهها فلو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل ولو لم يكن ما فهمه جائزا ما أقره عليه‏.‏ وهذا الحديث أيضا يصلح للاستدلال به على اختصاص آية الحجاب السابقة بزوجات النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لأن قصة الفضل في حجة الوداع وآية الحجاب في نكاح زينب في السنة الخامسة من الهجرة كما تقدم‏.‏ وأما قوله تعالى ‏{‏ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها‏}‏ فروى البيهقي عن ابن عباس أن المراد بما ظهر الوجه والكفان وروى البيهقي أيضا عن عائشة نحوه وكذلك روى الطبراني عنها‏.‏ وروى الطبراني أيضا عن ابن عباس قال هي الكحل‏.‏ وروى نحو ذلك عنه البيهقي‏.‏ وقال في الكشاف الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب فما كان ظاهرا منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب فلا بأس بابدائه للأجانب وما خفي منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والأكليل والوشاح والقرط فلا تبديه الا لهؤلاه المذكورين وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر لان هذه الزين واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن فنهى عن ابداء الزين نفسها ليعلم أن النظر إليها إذا لم يحل لملابستها تلك المواقع بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنا في الحظر ثابت القدم في الحرمة شاهدا على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين اللّه في الكشف عنها انتهى‏.‏

ـ والحاصل ـ أن المرأة تبدي من مواضع الزينة ما تدعو الحاجة إليه عند مزاولة الأشياء والبيع والشراء والشهادة فيكون ذلك مستثنى من عموم النهي عن إبداء مواضع الزينة وهذا على فرض عدم ورود تفسير مرفوع وسيأتي في الباب الذي الذي بعد هذا ما يدل على أن الوجه والكفين مما يستثني‏.‏ قوله ‏(‏الحمو الموت‏)‏ أي الخوف منه أكثر من غيره كما أن الخوف من الموت أكثر من الخوف من غيره قال الترمذي يقال هو أخو الزوج وروى مسلم عن الليث أنه‏.‏ قال الحمو أخو الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج ابن العم ونحوه‏.‏ وقال النووي اتفق أهل اللغة على أن الأحماء أقارب زوج المرأة كأبيه وأخيه وابن أخيه وابن عمه ونحوهم وأن الأختان أقارب زوجة الرجل وأن الأصهار تقع على النوعين انتهى‏.‏

 باب أن المرأة عورة إلا الوجه والكفين وأن عبدها كمحرمها في نظر ما يبدو منها غالبا

1 - عن خالد بن دريك عن عائشة ‏(‏أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه‏)‏‏.‏

رواه أبو داود وقال هذا مرسل خالد بن دريك لم يسمع من عائشة‏.‏

2 - وعن أنس ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها قال وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ما تلقى قال إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك‏)‏‏.‏

رواه أبو داود ويعضد ذلك قوله ‏(‏إذا كان أحدا كن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه‏)‏‏.‏

حديث عائشة في إسناده سعيد بن بشير أبو عبد الرحمن النصري نزيل دمشق مولى بني نصر وقد تكلم فيه غير واحد‏.‏ وذكر الحافظ أبو أحمد الجرجاني هذا الحديث ولا أعلم رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير وقال مرة فيه عن خالد بن دريك عن أم سلمة بدل عائشة‏.‏ وحديث أنس أخرجه أيضا البيهقي وابن مردويه وفي إسناده أبو جميع سالم بن دينار الهجيمي البصري‏.‏ قال ابن معين ثقة‏.‏ وقال أبو زرعة الرازي بصري لين الحديث والحديث الذي أشار إليه المصنف وجعله عاضدا لحديث أنس قد تقدم في باب المكاتب من كتاب العتق‏.‏

قوله ‏(‏دريك‏)‏ بضم الدال مصغرا وهو ثقة‏.‏ وقيل بفتح الدال والضم أكثر‏.‏ قوله ‏(‏لم يصلح‏)‏ بفتح الياء وضم اللام قوله‏:‏ ‏(‏الا هذا وهذا‏)‏ فيه دليل لمن قال أنه يجوز نظر الأجنبية‏.‏ قال ابن رسلان وهذا عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو ما دونه أماعند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساق‏.‏ وحكى القاضي عياض عن العلماء أنه لا يلزمها ستر وجهها في طريقها وعلى الرجال غض البصر للآية وقد تقدم الخلاف في أصل المسألة‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏إذا قنعت‏)‏ بفتح النون المشددة سترت وغطت‏.‏ قوله ‏(‏إنما هو أبوك وغلامك‏)‏ فيه دليل على أنه يجوز للعبد النظر إلى سيدته وأنه من محارمها يخلو بها ويسافر معها وينتظر منها ما ينظر إليه محرمها وإلى ذلك ذهبت عائشة وسعيد بن المسيب والشافعي في أحد قوليه وأصحابه وهو قول أكثر السلف وذهب الجمهور إلى أن المملوك كالأجنبي بدليل صحة تزوجها اياه بعد العتق وحمل الشيخ أبو حامد هذا الحديث على أن العبد كان صغيرا لإطلاق لفظ الغلام ولأنها واقعة حال واحتج أهل القول الأول أيضا بحديث الاحتجاب من المكاتب الذي أشار إليه المصنف وبقوله تعالى ‏{‏أو ماملكت أيمانكم‏}‏ وقد تقدم ما أجاب به سعيد بن المسيب من أن الآية خاصة بالأماء كما رواه عنه ابن أبي شيبة‏.‏

باب النهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه

1 - عن عقبة بن عامر ‏(‏أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر‏)‏‏.‏

رواه أحمد ومسلم‏.‏

2 - وعن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ‏(‏لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك‏)‏‏.‏

رواه البخاري والنسائي‏.‏

3 - وعن ابن عمر ‏(‏أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ‏(‏لا يخطب الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب‏)‏‏.‏

رواه أحمد والبخاري والنسائي‏.‏

////////////////////////////

  باب في غير أولي الأربة

1 - عن أم سلمة ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان عندها وفي البيت مخنث فقال لعبد اللّه بن أبي أمية أخي أم سلمة يا عبد اللّه إن فتح اللّه عليكم الطائف فإني أدلك على ابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان وقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يدخلن هؤلاء عليكم‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏

2 - وعن عائشة ‏(‏قالت كان يدخل على أزواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مخنث قالت وكانوا يعدونه من غير أولي الأربة فدخل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة قال إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أرى هذا يعرف ما هنا لا يدخلن عليكم هذا فاحجبوه‏)‏‏.‏

رواه أحمد ومسلم وأبو داود وزاد في رواية له ‏(‏وأخرجه وكان بالبيداء كل جمعة يستطعم‏)‏‏.‏

3 - وعن الاوزاعي في هذه القصة ‏(‏فقيل يا رسول اللّه إنه إذ يموت من الجوع فأذن له أن يدخل في كل جمعة مرتين فيسأل ثم يرجع‏)‏‏.‏

رواه أبو داود‏.‏

قوله ‏(‏مخنث‏)‏ بفتح والنون وكسرها والفتح المشهور وهو الذي يلين في قوله ويتكسر في مشيته ويتثنى فيها كالنساء وقد يكون خلقة وقد يكون تصنعا من الفسقة ومن كان ذلك فيه خلقة فالغالب من حاله أنه لا أرب له في النساء ولذلك كان أزواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يعددن هذا المخنث من غير أولى الاربة وكن لا يحجبنه إلا أن ظهر منه ما ظهرمن هذا الكلام واختلف في اسمه فقال القاضي الأشهر أن اسمه هيت بكسر الهاء ثم تحتية ثم فوقية وقيل صوابه هنب بالنون والباء الموحدة قاله ابن درستويه وقال أن ماسواه تصحيف وأنه الأحمق المعروف وقيل اسمه ماتع بالمثناة فوق مولى فاختة المخزومية بنت عمرو بن بن عائد‏.‏ قوله ‏(‏تقبل بأربع وتدبر بثمان‏)‏ المراد بالأربع هو العكن جمع عكنة وهي الطية التي تكون في البطن يقال تعكن البطن إذا صار ذلك فيه ولكل عكنة طرفان فإذا رأهن الرائي من جهة البطن وجدهن أربعا وإذا رآهن من جهة الظهر وجدهن ثمانيا‏.‏ وقال ابن حبيب عن مالك معناه أن أعكانها ينعطف بعضها على بعض وهي في بطنها أربع طرائق وتبلغ أطرافها أي خاصرتها وفي كل جانب أربع‏.‏ قال الحافظ وتفسير مالك المذكور تبعه فيه الجمهور وحاصله أنه وصفها بأنها مملوءة البدن بحيث يكون لبطنها عكن وذلك لا يكون إلا للسمينة من النساء وجرت عادة الرجال غالبا في الرغبة فمن تكون بتلك الصفة وقيل الأربع هي الشعب التي هي اليدان والرجلان والثمان الكتفان والمتنتان والليتان والساقان ولا يخفي ضعف ذلك لأن كل امرأة فيها ما ذكر فلا وجه لجعله من صفات المدح المقصودة في المقام‏.‏ قوله ‏(‏هؤلاء‏)‏ اشارة إلى جميع المخنثين وروى البيهقي أنه كان المخنثون على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ثلاثة ماتع وهدم وهيت‏.‏ قوله ‏(‏من غير أولي الأربة‏)‏ الأربة والأرب الحاجة والشهوة إلى النساء لكبر أو تخنيث أو عنة‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏أرى هذا‏)‏ الخ بفتح الهمزة الراء قال القرطبي هذا يدل على أنهم كانوا يظنون أنه لا يعرف شيئا من أحوال النساء ولا يخطر له ببال ويشبه بأن التخنيث فيه خلقة وطبيعة ولم يعرف إلا ذلك ولهذا كانوا يعدونه من غير الأربة‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏وأخرجه‏)‏ لفظ البخاري ‏(‏أخرجوهم من بيوتكم قال فأخرج فلانا وفلانا‏)‏ ورواه البيهقي وزاد وأخرج عمر مخنثا وفي رواية وأخرج أبو بكر أخر‏.‏ قال العلماء إخراج المخنث ونفيه كان لثلاثة معان أحدها أنه كان يظن أنه من غير أولي الأربة ثم لما وقع منه ذلك الكلام زال الظن‏.‏ والثاني وصفه النساء ومحاسنهم وعوراتهن بحضرة الرجال وقد نهى أن يصف المرأة زوجها فكيف إذا وصفها غيره من الرجال لسائرهم‏.‏ الثالث أنه ظهر له منه أنه كان يطلع من النساء وأجسامهن وعوراتهن على مالا يطلع عليه كثير من النساء‏.‏ قوله ‏(‏فيسأل ثم يرجع‏)‏ أي يسأل الناس شيئا ثم يرجع إلى البادية والبيداء بالمد القفر وكل صحراء فهي بيداء كأنها تبيد سالكها أي تكاد تهلكه وفي ذلك دليل على جواز العقوبة بالإخراج من الوطن لما يخاف من الفساد والفسق وجواز الأذن بالدخول في بعض الأوقات للحاجة‏.‏

 باب في نظر المرأة للرجل

1 - عن أم سلمة قالت ‏(‏كنت عند النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وميمونة فأقبل ابن أم مكتوم حتى دخل عليه وذلك بعد أن أمر بالحجاب فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم احتجبا منه فقلنا يا رسول اللّه أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال أفعميا وأن أنتما ألستما تبصرانه‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه‏.‏

2 - وعن عائشة قالت ‏(‏رأيت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا الذي أسأمه فاقدروا وأقدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللّهو‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏

ولأحمد ‏(‏أن الحبشة كانوا يلعبون عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في يوم عيد قالت فاطلعت من فوق عاتقه فطأطأ لي منكبيه فجعلت أنظر اليهم من فوق عاتقه حتى شبعت ثم انصرفت‏)‏‏.‏

حديث أم سلمة أخرجه أيضا النسائي وابن حبان وفي إسناده نبهان مولى أم سلمة شيخ الزهري وقد وثق‏.‏ وفي الباب عن عائشة عند مالك في الموطأ أنها احتجبت من أعمى فقيل لها أنه لا ينظر اليك قالت لكني أنظر إليه‏.‏ وقد استدل بحديث أم سلمة هذا من قال انه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم على الرجل نظر المرأة وهو أحد قولي الشافعي وأحمد والهادوية‏.‏ قال النووي وهو الأصح ولقوله تعالى ‏{‏وقل للمؤمنات بغضضن من أبصارهن‏}‏ ولأن النساء أحد نوعي الآدميين فحرم عليهن النظر إلى النوع الآخر قياسا على الرجال ويحققه أن المعنى المحرم للنظر هو خوف الفتنة وهذا في المرأة أبلغ فإنها اشد شهوة وأقل عقلا فتسارع إليها الفتنة أكثر من الرجل واحتج من قال بالجواز فيما عدا ما بين سرته وركبته بحديث عائشة المذكور في الباب ويجاب عنه بأنها كانت يومئذ غير مكلفة على ما تقضي به العبارة المذكورة في الباب ويؤيد هذا احتجابها من الأعمى كما تقدم وقد جزم النووي بأن عائشة كانت صغيرة دون البلوغ أو كان ذلك قبل الحجاب وتعقبه الحافظ بأن في بعض طرق الحديث ان ذلك كان بعد قدوم وفد الحبشة وان قدومهم كان سنة سبع‏.‏ ولعائشة يومئذ ست عشرة سنة‏.‏ واحتجوا ايضا بحديث فاطمة بنت قيس المتفق عليه انه صلى اللّه عليه وآله وسلم امرها ان تعتد في بيت أم مكتوم وقال انه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده ويجاب بأنه يمكن ذلك مع غض البصر منها ولا ملازمة بين الأجتماع في البيت والنظر واحتجوا أيضا بالحديث الصحيح في مضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى النساء في يوم العيد عند الخطبة فذكرهن ومعه بلال فأمرهن بالصدقة وقد تقدم ويجاب أيضا بأن ذلك لا يستلزم النظر منهن لامكان سماع الموعظة ودفع الصدقة مع غض البصر وقد جمع أبو داود بين الأحاديث فجعل حديث أم سلمة مختصا بازواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم‏.‏ وحديث فاطمة وما في معناه لجميع النساء‏.‏ قال الحافظ في التلخيص قلت وهذا جمع حسن وبه جمع المنذري في حواشيه واستحسنه شيخنا انتهى‏.‏ وجمع في الفتح بأن الأمر بالأحتجاب من ابن أم مكتوم لعله لكون الأعمى مظنة أن ينكشف منه شيء ولا يشعر به فلا يستلزم عدم جواز النظر مطلقا‏.‏ قال ويؤيد الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال ولم يؤمر الرجال قد بالأنتقاب لئلا يراهم النساء فدل على مغايرة الحكم بين الطائفتين وبهذا احتج الغزالي‏.‏

قوله ‏(‏يلعبون في المسجد‏)‏ فيه دليل على جواز ذلك في المسجد وحكى ابن التين عن أبي الحسن اللخمي أن اللعب بالحراب في المسجد منسوخ في القرآن والسنة أما القرآن فقوله تعالى ‏{‏في بيوت أذن اللّه أن ترفع‏}‏ وأما السنة فحديث ‏(‏جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم‏)‏ وتعقب بأن الحديث ضعيف وليس فيه ولا في الآية تصريح بما أدعاه ولا عرف التاريخ فيثبت النسخ‏.‏ وحكى بعض المالكية عن مالك أن لعبهم كان خارج المسجد وكانت عائشة في المسجد وهذا لا يثبت عن مالك فإنه خلاف ما صرح به في طرق هذا الحديث كذا قال في الفتح‏.‏ وفي الحديث أيضا جواز النظر إلى اللّهو المباح وفيه حسن خلقه مع أهله وكرم معاشرته قوله‏:‏ ‏(‏حتى شبعت‏)‏ فيه استعارة الشبع لقضاء الوطر من النظر‏.‏

 باب لا نكاح الا بولي

1 - عن أبي موسى عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ‏(‏لا نكاح إلا بولي‏)‏‏.‏

2 - وعن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال أيما امرأة نكحت بغير أذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له‏)‏‏.‏

رواهما الخمسة إلا النسائي‏.‏ وروى الثاني أبو داود الطيالسي ولفظه ‏(‏لانكاح إلا بولي وأيما امرأة نكحت بغير أذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل فإن لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي له‏)‏‏.‏

3 - وعن أبي هريرة قال ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها‏)‏‏.‏

رواه ابن ماجه والدارقطني‏.‏ وعن عكرمة بن خالد ‏(‏جمعت الطريق ركبا فجعلت امرأة منهن ثيب أمرها بيد رجل غير ولي فأنكحها فبلغ ذلك عمر فجلد الناكح والمنكح ورد نكاحها‏)‏ رواه الشافعي والدارقطني‏.‏ وعن الشعبي ‏(‏ما كان أحد من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أشد في النكاح بغير ولي من علي كان يضرب فيه‏)‏ رواه الدارقطني‏.‏

حديث أبي موسى أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححاه وذكر له الحاكم طرقا‏.‏ قال وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش ثم سرد تمام ثلاثين صحابيا وقد طرقه الدمياطي من المتأخرين وقد اختلف في وصله وإرساله فرواه شعبة والثوري عن أبي إسحاق مرسلا ورواه اسرائيل عنه فأسنده وأبو إسحاق مشهور بالتدليس وأسند الحاكم من طريق علي بن المديني ومن طريق البخاري والذهلي وغيرهم أنهم صححوا حديث اسرائيل‏.‏ وحديث عائشة أخرجه أيضا أبو عوانة وابن حبان والحاكم وحسنه الترمذي وقد أعل بالإرسال وتكلم فيه بعضهم من جهة أن ابن جريج قال ثم لقيت الزهري فسألته عنه فأنكره وقد عد أبو القاسم بن منده عدة من رواه عن ابن جريج فبلغوا عشرين رجلا وذكر أن معمرا وعبيد اللّه بن زحر تابعا ابن جريج على روايته اياه عن سليمان بن موسى وأن قرة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وأيوب بن موسى وهشام بن سعد وجماعة تابعوا سليمان بن موسى عن الزهري‏.‏ قال ورواه أبو مالك الجنبي ونوح بن دراج ومندل وجعفر بن برقان وجماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة‏.‏ وقد أعل ابن حبان وابن عدي وابن عبد البر والحاكم وغيره الحكاية عن ابن جريج بإنكار الزهري وعلى تقدير الصحة لا يلزم من نسيان الزهري له أن يكون سليمان بن موسى وهم فيه‏.‏ وحديث أبي هريرة أخرجه أيضا البيهقي قال ابن كثير الصحيح وقفه على أبي هريرة وقال الحافظ رجاله ثقات وفي لفظ للدارقطني كنا نقول التي تزوج نفسها هي الزانية‏.‏ قال الحافظ فتبين أن هذه الزيادة من قول أبي هريرة وكذلك رواها البيهقي وقوفة في طريق ورواها مرفوعة في أخرى

ـ وفي الباب ـ عن ابن عباس عند أحمد وابن ماجه والطبراني بلفظ ‏(‏لانكاح إلا بولي‏)‏ وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف ومداره عليه قال الحافظ وغلط بعض الرواة فرواه عن ابن المبارك عن خالد الحذاء عن عكرمة والصواب حجاج بدل خالد‏.‏ وعن أبي بردة عند أبي داود الطيالسي بلفظ حديث ابن عباس‏.‏ وعن غيرهما كما تقدم في كلام الحاكم‏.‏ قوله ‏(‏لا نكاح إلا بولي‏)‏ هذا النفي يتوجه إما إلى الذات الشرعية لأن الذات الموجودة أعني صورة العقد بدون ولي ليست بشرعية أو يتوجه إلى الصحة التي هي أقرب المجازين إلى الذات فيكون النكاح بغير ولي باطل كما هو مصرح بذلك في حديث عائشة المذكور وكما يدل عليه حديث أبي هريرة المذكور لأن النهي يدل على الفساد المرادف للبطلان‏.‏ وقد ذهب إلى هذا علي وعمر وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبو هريرة وعائشة والحسن البصري وابن المسيب وابن شبرمة وابن أبي ليلى والعترة وأحمد وإسحاق والشافعي وجمهور أهل العلم فقالوا لا يصح العقد بدون ولي‏.‏ قال ابن المنذر إنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك‏.‏ وحكى في البحر عن أبي حنيفة أنه لا يعتبر الولي مطلق لحديث الثيب أحق بنفسها من وليها وسيأتي وأجيب بأن المراد اعتبار الرضى منها جمعا بين الإخبار كذا في البحر‏.‏ وعن أبي يوسف ومحمد للولي الخيار في غير الكفء وتلزمه الإجازة في الكفء وعن مالك يعتبر الولي في الرفيعة دون الوضيعة وأجيب عن ذلك بأن الأدلة لم تفصل وعن الظاهرية أنه يعتبر في البكر فقط وأجيب عنه بمثل ما أجيب به عن الذي قبله ‏.‏ وقال أبو ثور يجوز لها أن تزوج نفسها بإذن وليها آخذا بمفهوم‏.‏ قوله ‏(‏أيما امرأة نكحت بغير أذن وليها‏)‏ ويجاب عن ذلك بحديث أبي هريرة المذكور والمراد بالولي هو الأقرب من العصبة من النسب ثم من السبب ثم من عصبته وليس لذوي السهام ولا لذوي الأرحام ولاية وهذا مذهب الجمهور وروي عن أبي حنيفة أن ذوي الأرحام من الأولياء فإذا لم يكن ثم ولى أو كان موجودا وعضل انتقل الأمر إلى السلطان لأنه ولي من لا ولي له كما أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس وفي إسناده الحجاج بن أرطاة‏.‏

 باب ما جاء في الإجبار والاستئمار

1 - عن عائشة ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم تزوجها وهي بنت ست سنين وأدخلت عليه وهي بنت تسع سنين ومكثت عنده تسعا‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏ وفي رواية ‏(‏تزوجها وهي بنت سبع سنين وزفت إليه وهي بنت تسع سنين‏(‏رواه أحمد ومسلم‏.‏

الحديث أورده المصنف للاستدلال به على أنه يجوز للأب أن يزوج ابنته الصغيرة بغير استئذانها ولعله أخذ ذلك من عدم ذكر الاستئذان وكذلك صنع البخاري قال الحافظ وليس بواضح الدلالة بل يحتمل أن يكون ذلك قبل ورود الأمر باستئذان البكر وهو الظاهر فإن القصة وقعت بمكة قبل الهجرة‏.‏ وفي الحديث أيضا دليل على أنه يجوز للأب أن يزوج ابنته قبل البلوغ‏.‏ قال المهلب أجمعوا أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر ولو كانت لا يوطأ مثلها الا أن الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ وحكى ابن حزم عن ابن شبرمة مطلقا إن الأب لا يزوج ابنته الصغيرة حتى تبلغ وتأذن وزعم أن تزوج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عائشة وهي بنت ست سنين كان من خصائصة ويقابله تجويز الحسن والنخعي للأب أن يجبر ابنته كبيرة كانت أو صغيرة بكرا كانت أو ثيبا‏.‏ وفي الحديث أيضا دليل على أنه يجوز تزويج الصغيرة بالكبير وقد بوب لذلك البخاري وذكر حديث عائشة وحكى في الفتح الإجماع على جواز ذلك‏.‏ قال ولو كانت في المهد لكن لا يمكن منها حتى تصلح للوطء‏.‏

2 - وعن ابن عباس قال ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وأذنها صمائها‏)‏‏.‏

رواه الجماعة إلا البخاري وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داود والنسائي ‏(‏والبكر يستأمرها أبوها‏)‏ وفي رواية لأحمد والنسائي ‏(‏واليتيمة تستأذن في نفسها‏)‏ وفي رواية لأبي داود والنسائي ‏(‏ليس للولي مع الثيب أمر واليتيمة تستأمر وصمتها إقرارها‏)‏‏.‏

3 - وعن خنساء بنت خدام الأنصارية ‏(‏إن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فرد نكاحها‏)‏‏.‏

أخرجه الجماعة إلا مسلما‏.‏

4 - وعن أبي هريرة قال ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لا تنكح الأيّم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن قالوا يا رسول اللّه وكيف أذنها قال أن تسكت‏)‏‏.‏

رواه الجماعة‏.‏

5 - وعن عائشة ‏(‏قالت قلت يا رسول اللّه تستأمر النساء في ابضاعهن قال نعم قلت ان البكر تستأمر فتستحي فتسكت فقال سكاتها أذنها‏)‏‏.‏ وفي رواية قالت ‏(‏قال رسول اللّه البكر تستأذن قلت أن البكر تستأذن وتستحي قال أذنها صماتها‏)‏‏.‏متفق عليه‏.‏

6 - وعن أبي موسى ‏(‏إن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنت وإن أبت لم تكره‏)‏‏.‏

رواه أحمد‏.‏

7 - وعن أبي هريرة قال ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم تستأمر اليتيمة في نفسها فان سكتت فهو أذنها وان أبت فلا جواز عليها‏)‏‏.‏

رواه الخمسة الا ابن ماجه‏.‏

8 - وعن ابن عباس ‏(‏ان جارية بكرا أتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فذكرت ان أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني‏.‏ ورواه الدارقطني أيضا عن عكرمة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مرسلا وذكر أنه أصح‏.‏

9 - وعن ابن عمر قال ‏(‏توفي عثمان بن مظعون وترك ابنة له من خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون قال عبد اللّه وهما خالاي فخطبت إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون فزوجنيها ودخل المغيرة بن شعبة يعين إلى أمها فارغبها في المال فحطت إليه وحطت الجارية إلى هوى أمها فأبتا حتى ارتفع أمرها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال قدامة بن مظعون يا رسول اللّه ابنة أخي أوصى بها إلى فزوجتها ابن عمتها فلم اقصر بها في الصلاح ولا في الكفاءة ولكنها امرأة وإنما حطت إلى هوى امها قال فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم هي يتيمة ولا تنكح إلا بأذنها قال فانتزعت واللّه مني بعد أن ملكتها فزوجوها المغيرة بن شعبة‏)‏‏.‏

رواه أحمد والدارقطني وهو دليل على أن اليتيمة لا يجبرها وصي ولا غيره‏.‏

10 - وعن ابن عمر ‏(‏ان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال آمروا النساء في بناتهن‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود‏.‏

حديث أبي موسى أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وأبو يعلى والدارقطني والطبراني قال في مجمع الزوائد ورجال أحمد رجال الصحيح‏.‏ وحديث أبي هريرة أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وحسنه الترمذي‏.‏ وحديث ابن عباس أخرجه أيضا ابن أبي شيبة‏.‏ قال الحافظ ورجاله ثقات واعل بالإرسال ويتفرد جرير بن حازم عن أيوب ويتفرد حسين عن جرير وأجيب بأن أيوب بن سويد رواه عن الثوري عن أيوب موصولا وكذلك رواه معمر بن سليمان الرقي عن زيد بن حباب عن أيوب موصولا وإذا اختلف في وصل الحديث وإرساله حكم لمن وصله على طريقة الفقهاء وعن الثاني بأن جريرا توبع عن أيوب كما ترى‏.‏ وعن الثالث بأن سليمان بن حرب تابع حسين بن محمد عن جرير وانفصل البيهقي عن ذلك بأنه محمول على أنه زوجها من غير كفء‏.‏ وحديث ابن عمر الأول أورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه‏.‏ قال في مجمع الزوائد ورجال أحمد ثقات‏.‏ وحديثه الثاني فيه رجل مجهول‏.‏

ـ وفي الباب ـ عن جابر عند النسائي وعن عائشة غير ما ذكره المصنف عند النسائي أيضا قوله يستأمرها أبوها الاستئمار طلب الأمر والمعنى لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏خنساء بنت خدام‏)‏ هي بخاء معجمة ثم نون مهملة على وزن حمراء وأبوها بكسر الخاء المعجمة وتخفيف المهملة كذا في الفتح‏.‏ قوله ‏(‏لاتنكح الأيّم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن‏)‏ عبر للثيب بالاستئمار والبكر بالاستئذان ويؤخذ منه فرق بينهما من جهة إن الاستئمار يدل على تأكيد المشاورة وجعل الأمر إلى المستأمرة ولهذا يحتاج الولي إلى صريح أذنها فإذا صرحت بمنعه امتنع اتفاقا والبكر بخلاف ذلك والأذن دائر بين القول والسكوت بخلاف الأمر فإنه صريح في القول هكذا في الفتح ويعكر عليه ما في رواية حديث ابن عباس من ان البكر يستأمرها أبوها وان اليتيمة تستأمر وصمتها إقرارها‏.‏ وفي حديث عائشة ان البكر تستأمر الخ وكذلك في حديث أبي موسى وأبي هريرة‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏فحطت إليه‏)‏ أي مالت إليه وأسرعت بفتح الحاء المهملة وتشديد الطاء المهملة أيضا وقد استدل بأحاديث الباب على اعتبار الرضا من المرأة التي يراد تزويجها وأنه لا بد من صريح الأذن من الثيب ويكفي السكوت من البكر والمراد بالبكر التي أمر الشارع باستئذانها هي البالغة إذ لا معنى لاستئذان الصغيرة لأنها لا تدري ما الأذن‏.‏ قال ابن المنذر يستحب اعلام البكر أن سكوتها أذن لكن لو قالت بعد العقد ما علمت ان صمتي أذن لم يبطل العقد بذلك عند الجمهور وأبطله بعض المالكية‏.‏ وقال ابن شعبان منهم يقال لها ثلاثا إن رضيتي فاسكتي وإن كرهتي فانطقي‏.‏ ونقل ابن عبد البر عن مالك ان سكوت البكر اليتيمة قبل أذنها وتفويضها لا يكون رضا منها بخلاف ما إذا كان بعد تفويضها إلى وليها وخص بعض الشافعية الاكتفاء بسكوت البكر البالغ بالنسبة إلى الأب والجد دون غيرهما لأ،ها تستحي منهما أكثر من غيرهما والصحيح الذي عليه الجمهور استعمال الحديث في جميع الابكار وظهر أحاديث الباب ان البكر البالغة إذا زوجت بغير إذنها لم يصح العقد وإليه ذهب الأوزاعي والثوري والعترة والحنفية وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم وذهب مالك والشافعي والليث وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق إلى أنه يجوز للأب أن يزوجها بغير استئذان ويرد عليهم ما في أحاديث الباب من قوله ‏(‏وللبكر يستأمرها أبوها‏)‏ ويرد عليهم أيضا حديث عبد اللّه بن بريدة الذي سيأتي في باب ما جاء في الكفاءة وأما ما احتجوا به من مفهوم‏.‏

قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏الثيب أحق بنفسها من وليها‏)‏ فدل على أن ولي البكر أحق بها منها فيجاب عنه بأن المفهوم لا ينتهض للتمسك به في مقابلة المنطوق وقد أجابوا عن دليل أهل القول الأول بما قاله الشافعي من أن المؤامرة قد تكون على استطابة النفس ويؤيده حديث ابن عمر المذكور بلفظ ‏(‏وآمروا النساء في بناتهن‏)‏ قال ولا خلاف انه ليس للأم أمر لكنه على معنى استطابة النفس وقال البيهقي زيادة ذكر الأب في حديث ابن عباس غير محفوظة قال الشافعي زادها ابن عيينة في حديثه وكان ابن عمر والقاسم وسالم يزوجون الأبكار لا يستأمرونهن‏.‏

قال الحافظ وهذا لا يدفع زيادة الثقة الحافظ انتهى‏.‏ وأجاب بعضهم بأن المراد بالبكر المذكورة في حديث ابن عباس اليتيمة لما وقع في الرواية الأخرى من حديثه واليتيمة تستأمر فيحمل المطلق على المقيد واجيب بأن اليتيمة هي البكر وأيضا الروايات الواردة بلفظ تستأمرها وتستأذن بضم أوله هي تفيد مفاد قوله يستأمرها أبوها وزيادة بأنه يدخل فيه الأب وغيره فلا تعارض بين الروايات ومما يؤيد ما ذهب إليه الأولون حديث ابن عباس المذكور إن جارية بكرا الخ وأما الثيب فلا بد من رضاها من غير فرق بين أن يكون الذي زوجها هو الأب أو غيره وقد حكى في البحر الاجماع على اعتبار رضاها وحكى أيضا الإجماع على أنه لا بد من تصريحها بالرضا بنطق أو ما في حكمه والظاهر ان استئذان الثيب والبكر شرط في صحة العقد لرده صلى اللّه عليه وآله وسلم لنكاح خنساء بنت خدام كما في الحديث المذكور وكذلك تخييره صلى اللّه عليه وآله وسلم للجارية كما في حديث ابن عباس المذكور وكذلك حديث ابن عمر المذكور أيضا ويدل على ذلك أيضا حديث أبي هريرة المذكور لما فيه من النهي‏.‏ وظاهر قوله الثيب أحق بنفسها أنه لا فرق بين الصغيرة والكبيرة وبين من زالت بكارتها توطء حلال أو حرام وخالف في ذلك أبو حنيفة فقال هي كالبكر واحتج بأن علة الأكتفاء بسكوت البكر هي الحياء وهو باق فيمن زالت بكارتها بزنا لأن المسألة مفروضة فيمن لم يتخذ الزنا ديدنا وعادة وأجيب بأن الحديث نص على أن الحياء يتعلق بالبكر وقابلها بالثيب فدل على أن حكمهما مختلف وهذه ثيب لغة وشرعا وأما بقاء حيائها كالبكر فممنوع‏.‏

 باب الابن يزوج أمه

1 - عن أم سلمة ‏(‏أنها لما بعث النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يخطبها قالت ليس أحد من أوليائي شاهد فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ليس أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك فقالت لابنها يا عمر قم فزوج رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فزوجه‏)‏‏.‏

رواه أحمد والنسائي‏.‏

الحديث قد أعل بأن عمر المذكور كان عند تزوجه صلى اللّه عليه وآله وسلم بأمه صغيرا له من العمر سنتان لأنه ولد في الحبشة في السنة الثانية من الهجرة وتزوجه صلى اللّه عليه وآله وسلم بأمه كان في السنة الرابعة‏.‏ قيل رواية قم يا غلام فزوج أمك فلا أصل لها وقد استدل بهذا الحديث من قال بأن الولد من جملة الأولياء في النكاح وهم الجمهور‏.‏ وقال الشافعي ومحمد بن الحسن وروى عن الناصر ان ابن المرأة إذا لم يجمعها وأياه جد فلا ولاية له ورد بأن الابن يسمي عصبة اتفاقا وبأنه داخل في عموم قوله تعالى ‏{‏وأنكحوا الأيامى منكم‏}‏ لأنه خطاب للأقارب وأقربهم الأبناء وأجاب عن هذا الرد في ضوء النهار بأن ظاهر انكحوا صحة عقد غير الأقارب وإنما خصصهم الإجماع استنادا إلى العادة والمعتادة إنما هو غير الابن كيف والابن متأخر عن التزويج في الغالب والمطلق يقيد بالعادة كما عرف في الأصول والعموم لا يشمل النادر ولان نكاح العاقلة خاصة مفوض إلى نظرها وإنما الولي وكيل في الحقيقة ولهذا لو لم يمتثل الولي أمرها بالعقد لكفء لصح توكيلها غيره والوكالة لا تلزم لمعين ودفع بأن هذا يستلزم أن لا يبقى للولي حق وأنه خلاف الإجماع والتحقيق أنه ليس إلى نظر المكلفة إلا الرضا ويجاب عن دعوى خروج الابن بالعادة بالمنع أن أراد عدم الوقوع وان أراد الغلبة فلا يضرنا ولا ينفعه ومن جملة ما أجاب به القائلون بأنه لا ولاية للابن أن هذا الحديث لا يصح الاحتجاج به لأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يفتقر في نكاحه إلى ولي ومن جملة ما يستدل به على عدم ولاية الابن في النكاح قول أم سلمة ليس أحد من أوليائي شاهد مع كون ابنها حاضرا ولم ينكر عليها صلى اللّه عليه وآله وسلم ذلك‏.‏

 باب العضل

1 - عن مقعل بن يسار قال ‏(‏كانت لي أخت تخطب إلى فأتاني ابن عم لي فانحكهتها أياه ثم طلقها طلاقا له رجعة ثم تركها حتى انقضت عدتها فلما خطبت إلى أتاني يخطبها فقلت لا واللّه لا أنكحكها أبدا‏.‏ قال ففي نزلت هذه الآية وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ان ينكحن أزواجهن الآية‏.‏ قال فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه‏)‏‏.‏

رواه البخاري وأبو داود والترمذي وصححه ولم يذكر التكفير‏.‏ وفيه رواية للبخاري ‏(‏وكان رجلا لا بأس به وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه‏)‏ وهو حجة في اعتبار الولي‏.‏

قوله ‏(‏كانت لي أخت اسمها جميل‏)‏ بالضم مصغرا بنت يسار ذكره الطبري وجزم به ابن ماكولا وقيل اسمها ليلى حكاه السهيلي في مبهمات القرآن وتبعه المنذري‏.‏ وقيل فاطمة ذكره ابن إسحاق ويحمل على التعدد بأن يكون لهما اسمان ولقب أو لقبان واسم قوله‏:‏ ‏(‏ففي نزلت هذه الآية‏)‏ هذا تصريح بنزول هذه الآية في هذه القصة ولا يمنع ذلك كون ظاهر الخطاب في السياق للأزواج حيث وقع فيها وإذا طلقتم النساء لكن قوله فيها نفسها أن ينكحن أزواجهن ظاهر في أن ذلك يتعلق بالأولياء‏.‏ قوله ‏(‏فكفرت عن يميني وأنكحتها‏)‏ في لفظ للبخاري فقلت ‏(‏الآن أفعل يا رسول اللّه‏)‏‏.‏ قوله ‏(‏وكان رجلا لا بأس به‏)‏‏.‏ قال ابن التين أي كان جيدا وقد غيرته العامة فكنوا به عمن لا خير فيه

والحديث يدل على أنه يشترط الولي في النكاح ولو لم يكن شرطا لكان رغوب الرجل في زوجته ورغوبها فيه كافيا وبه يرد القياس الذي احتج به أبو حنيفة على عدم الأشتراط فإنه احتج بالقياس على البيع لأن المرأة تستقل به بغير أذن وليها فكذلك النكاح وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي المتقدمة على الصغيرة وخص بهذا القياس عمومها ولكنه قياس فاسد الأعتبار لحديث معقل هذا وانفصل بعضهم عن هذا الأيراد بالتزامهم اشتراط الولي ولكن لا يمنع ذلك تزويجها نفسها ويتوقف النفوذ على اجازة الولي كما في البيع وهو مذهب الأوزاعي وكذلك قال أبو ثور ولكنه يشترط أذن الولي لها في تزويج نفسها وتعقب بأن أذن الولي لا يصح الا لمن ينوب عنه والمرأة لا تنوب عنه في ذلك لأن الحق لها ولو أذن لها في انكاح نفسها صارت كمن أذن لها في البيع من نفسها ولا يصح وفي حديث معقل هذا دليل على أن السلطان لا يزوج المرأة إلا بعد أن يأمر وليها بالرجوع عن العضل فأن أحاب فذاك وإن أصر زوجها‏.‏

 باب الشهادة في النكاح

1 - عن ابن عباس ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة‏)‏‏.‏

رواه الترمذي وذكر أنه لم يرفعه غير عبد الأعلى وأنه قد وقفه مرة وأن الوقف أصح وهذا لا يقدح لأن عبد الأعلى ثقة فيقبل رفعه وزيادته وقد يرفع الراوي الحديث وقد يقفه‏.‏

2 - وعن عمران بن حصين عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ‏(‏لانكاح الا بولي وشاهدي عدل‏)‏‏.‏

ذكره أحمد بن حنبل في رواية ابنه عبد اللّه‏.‏

3 - وعن عائشة قالت ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لانكاح الا بولي وشاهدي عدل فإن تشاجروا ـ قوله‏:‏ فإن تشاجروا، الضمير عائد إلى الأولياء الدال عليه ذكر الولي والسياق والمراد بالاشتجار منع الأولياء عن العقد عليها وهذا هو العضل وبه تنتقل الولاية إلى السلطان ان عضل الأقرب وقيل بل تنتقل إلى الأكبر وانتقالها إلى السلطان مبني على منع الأقرب والأبعد وهو محتمل واللّه أعلم ـ فالسلطان ولي من لا ولي له‏)‏‏.‏

رواه الدارقطني‏.‏ ولمالك في الموطأ عن أبي الزبير المكي ‏(‏أن عمر بن الخطاب أتى بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة فقال هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمت‏)‏‏.‏

حديث ابن عباس قال الترمذي هذا حديث غير محفوظ لا نعلم أحدا رفعه إلا ما روى عن عبد الأعلى عن سعبد عن قتادة مرفوعا‏.‏ وروى عن عبد الأعلى عن سعبد هذا الحديث موقوفا والصحيح ما روى عن ابن عباس ‏(‏لانكاح الا ببينة‏)‏ وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن أبي عروبة نحو هذا موقوفا‏.‏ وحديث عمران ابن حصين أشار إليه الترمذي وأخرجه الدارقطني والبيهقي في العلل من حديث الحسن عنه وفي إسناده عبد اللّه بن محرز وهو متروك‏.‏ ورواه الشافعي من وجه آخرعن الحسن مرسلا‏.‏ وقال هذا وان كان مقطعا فإن أكثر أهل العلم يقولون به‏.‏ وحديث عائشة أخرجه أيضا البيهقي من طريق محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي عن عيسى بن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة كذلك وقد توبع الرقي عن عيسى‏.‏ ورواه سعيد بن خالد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان ويزيد بن سنان ونوح بن دراج وعبد اللّه بن حكيم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة كذلك وقد ضعف ابن معين كله واقره البيهقي وقد تقدم في باب لانكاح الا بولي طرف منه

ـ وفي الباب ـ عن ابن عباس غير حديثه المذكور عند الشافعي والبيهقي من طريق ابن خيثم عن سعيد بن جبير عنه موقوفا بلفظ ‏(‏لانكاح الا بولي مرشد وشاهدي عدل‏)‏ وقال البيهقي بعد أن رواه من طريق أخرى عن أبي خيثم بسنده مرفوعا بلفظ ‏(‏لانكاح الا بأذن ولي مرشد أو سلطان‏)‏ قال والمحفوظ الموقوف ثم رواه من طريق الثوري عن أبي خيثم به ومن طريق عدي بن الفضل عن أبي خيثم بسنده مرفوعا بلفظ ‏(‏لانكاح الا بولي وشاهدي عدل فإن نكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل‏)‏ وعدي بن الفضل ضعيف‏.‏ وعن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا عند البيهقي بلفظ ‏(‏لانكاح الا بأربعة خاطب وولي وشاهدين‏)‏ وفي إسناده المغيرة بن موسى البصري قال البخاري منكر الحديث‏.‏ وعن عائشة غير حديث الباب عند الدارقطني بلفظ ‏(‏لابد النكاح من أربعة الولي والزوج والشاهدين‏)‏ وفي إسناده أبو الخصيب نافع بن ميسرة مجهول وروي نحوه البيهقي في الخلافيات عن ابن عباس موقوفا وصححه وابن أبي شيبة بنحوه عنه أيضا‏.‏ وعن أنس أشار إليه الترمذي وقد استدل بأحاديث الباب من جعل الأشهاد شرطا وقد حكى ذلك في البحر عن علي وعمر وابن عباس والعترة والشعبي وابن المسيب والأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة أحمد بن حنبل‏.‏ قال الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ومن بعدهم من التابعين وغيرهم قالوا ‏(‏لانكاح الابشهود‏)‏ لم يختلفوا في ذلك من مضى منهم الا قوم من المتأخرين من أهل العلم وإنما اختلف أهل العلم في هذا إذا شهد واحد بعد واحد فقال أكثر أهل العلم من الكوفة وغيرهم لا يجوز النكاح حتى يشهد الشاهدان معا عند عقدة النكاح وقد روى بعض أهل المدينة إذا شهد واحد بعد واحد فإنه جائز إذا أعلنوا ذلك وهو قول مالك بن أنس وغيره‏.‏ وقال بعض أهل العلم يجوز شهادة رجل وامرأتين في النكاح وهو قول أحمد وإسحاق انتهى كلام الترمذي‏.‏ وحكى في البحر عن ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن ابن مهدي وداود انه لا يعتبر الاشهاد‏.‏ وحكى أيضا عن مالك أنه يكفي الاعلان بالنكاح والحق ما ذهب إليه الأولون لأن أحاديث الباب يقوي بعضها بعضا والنفي في قوله لانكاح يتوجه إلى الصحة وذلك يستلزم أن يكون الأشهاد شرطا لأنه قد استلزم عدمه عدم الصحة وما كان كذلك فهو شرط‏.‏ واختلفوا في اعتبار العدالة في شهود النكاح فذهبت القاسمية والشافعي إلى أنها تعتبر‏.‏ وذهب زيد بن علي وأحمد بن عيسى وأبو عبد اللّه الداعي وأبوحنيفة أنها لا تعتبر والحق القول الأول لتقييد الشهادة المعتبرة في حديث عمران بن حصين وعائشة اللذين ذكرهما المصنف وكذلك حديث ابن عباس الذي ذكرناه بالعدالة‏.‏

 

قوله ‏(‏أن يبتاع على بيع أخيه‏)‏ قد تقدم الكلام على هذا من كتاب البيع قوله ‏(‏ولا يخطب‏)‏ الخ استدل بهذا الحديث على تحريم الخطبة على الخطبة لقوله في أول الحديث ‏(‏لا يحل‏)‏ وكذلك استدل بالنهي المذكور في حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر وفي لفظ للبخاري ‏(‏نهى أن يبيع بعضكم على بيع بعض أو يخطب‏)‏ وفي لفظ لأحمد من حديث الحسن عن سمرة ‏(‏أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه‏)‏ وقد ذهب إلى هذا الجمهور وجزموا بأن النهي التحريم كما حكى ذلك الحافظ في فتح الباري‏.‏ وقال الخطابي ان النهي ههنا للتأديب وليس بنهي تحريم يبطل العقد عند أكثر الفقهاء‏.‏ قال الحافظ ولاملازمة بين كونه للتحريم وبين البطلان عند الجمهور بل هو عندهم للتحريم ولا يبطل العقد وحكى النووي ان النهي فيه للتحريم بالإجماع ولكنهم اختلفوا في شروطه فقالت الشافعية والحنابلة محل التحريم إذا صرحت المخطوبة بالإجابة أو وليها الذي أذنت له وبذلك قال الهادوية فلو وقع التصريح بالرد فلا تحريم وليس في الأحاديث ما يدل على اعتبار الإجابة‏.‏ وأما ما احتج به من قول فاطمة بنت قيس للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إن معاوية وأبا جهم خطباها فلم ينكر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ذلك عليهما بل خطبها لأسامة فليس فيه حجة كما قال النووي لاحتمال أن يكونا خطباها معا أو لم يعلم الثاني بخطبة الأول والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أشار بأسامة ولم يخطب كما سيأتي‏.‏ وعلى تقدير أن يكون ذلك خطبة فلعله كان بعد ظهور رغبتها عنهما‏.‏ وظاهر حديث فاطمة الآتي قريبا أن أسامة خطبها مع معاوية وأبي جهم قبل مجيئها إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وعن بعض المالكية لا تمتنع الخطبة إلا بعد التراضي على الصداق ولا دليل على ذلك‏.‏ وقال داود الظاهري إذا تزوجها الثاني فسخ النكاح قبل الدخول وبعده وللمالكية في ذلك قولان فقال بعضهم يفسخ قبله لا بعده قال في الفتح وحجة الجمهور أن المنهي عنه الخطبة وهي ليست شرطا في صحة النكاح فلا يفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة‏.‏ قوله ‏(‏لا يخطب الرجل على خطبة الرجل‏)‏ ظاهره أنه لا يجوز للرجل أن يخطب على خطبة الفاسق ولا على خطبة الكافر نحو أن يخطب ذمية فلا يجوز لمن يجوز نكاحها أن يخطبها ولكنه يقيد هذا الإطلاق بقوله في حديث أبي هريرة ‏(‏لا يخطب الرجل على خطبة أخيه‏)‏ فإنه لا أخوة بين المسلم والكافر وبقوله في حديث عقبة ‏(‏المؤمن أخو المؤمن‏)‏ الخ فإنه يخرج بذلك الفاسق وإلى المنع من الخطبة على خطبة الكافر والفاسق ذهب الجمهور قالوا والتعبير بالاخ خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له وذهب الأوزاعي وجماعة من الشافعية إلى أنها تجوز الخطبة على خطبة الكافر وهو الظاهر‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏حتى يترك‏)‏ وفي حديث عقبة حتى يذر في ذلك دليل على أنه يجوز للآخر أن يخطب بعد أن علم رغبة الأول عن النكاح وأخرج أبو الشيخ من حديث أبي هريرة مرفوعا ‏(‏حتى ينكح أو يدع‏)‏ قال الحافظ وإسناده صحيح‏.‏

 باب التعريض بالخطبة في العدة

1 - عن فاطمة بنت قيس ‏(‏أن زوجها طلقها ثلاثا فلم يجعل لها رسول اللّه سكنى ولا نفقة قالت وقال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا حللت فآذنيني فآذنته فخطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد فقال رسول اللّه أما معاوية فرجل ترب لامال له وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء ولكن أسامة فقالت بيدها هكذا أسامة أسامة فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم طاعة اللّه وطاعة رسوله قالت فتزوجته فاغتبطت‏)‏‏.‏

رواه الجماعة إلا البخاري‏.‏

2 - وعن ابن عباس ‏(‏فيما عرضتم به من خطبة النساء يقول أني أريد التزويج ولوددت أنه يسر لي امرأة صالحة‏)‏‏.‏

رواه البخاري‏.‏

3 - وعن سكينة بنت حنظلة قالت ‏(‏استأذن عليّ محمد بن علي ولم ينقض عدتي من مهلكه زوجي فقال قد عرفت قرابتي من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وقرابتي من علي وموضعي من العرب قلت غفر اللّه لك يا أبا جعفر إنك رجل يؤخذ عنك وتخطبني في عدتي فقال إنما أخبرتك بقرابتي من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ومن علي وقد دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم على أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة فقال لقد علمت انى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وخيرته من خلقه وموضعي من قومي كانت تلك خطبته‏)‏‏.‏

رواه الدارقطني‏.‏

حديث سكينة رواه الدارقطني من طريق عبد الحمن بن سليمان بن الغسيل عنها وهي عمته وهو منقطع لان محمد بن علي هو الباقر ولم يدرك النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم‏.‏ قوله ‏(‏لا سكنى ولانفقة‏)‏ سيأتي الكلام على ذلك‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏معاوية‏)‏ اختلف فيه فقيل هو ابن أبي سفيان وقيل غيره‏.‏ وفي صحيح مسلم بأنه هو‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏فرجل ضراب‏)‏ في رواية ‏(‏لا يضع عصاه عن عاتقه‏)‏ وهو كناية عن كثرة ضربه للنساء كما وقع التصريح بذلك في حديث الباب‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏فاغتبطت‏)‏ الغبطة بكسر الغين المعجمة حسن الحال والمسرة كما في القاموس‏.‏ قوله ‏(‏يقول أني أريد التزويج‏)‏ هو تفسير التعريض المذكور في الآية‏.‏ قال الزمخشري التعريض أن يذكر المتكلم شيئا يدل به على شيء لم يذكره وتعقب بأن هذا التعريف لا يخرج المجاز وأجاب سعد الدين بأنه لم يقصد التعريف ثم حقق التعريض بأنه ذكر شيء مقصود بلفظ حقيقي أو مجازي أو كنائي ليدل به على شيء آخر لم يذكر في الكلام مثل أن يذكر المجيء للتسليم ومراده التقاضي فالسلام مقصود والتقاضي عرض أي ميل إليه الكلام عن عرض أي جانب وامتاز عن الكناية فلم يشتمل على جميع أقسامها‏.‏ والحاصل أنهما يجتمعان ويفترقان فمثل جئت لا سلم عليك كناية وتعريض‏.‏ ومثل طويل النجاد كناية لا تعريض ومثل آذيتني فستعرف خطايا لغير المؤذى تعريض بتهديد المؤذى لا كناية وقد قيل في تفسير التعريض المذكور في الآية أن يقول لها أني فيك لراغب ولا يستلزم التصريح بالرغبة التصريح بالخطبة‏.‏ ومن التعريض ما وقع في حديث فاطمة بنت قيس عند أبي داود ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لها لا تفوتينا بنفسك‏)‏‏.‏ ومنه قول الباقر المذكور في الباب‏.‏ ومنه قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم لام سلمة كما في الحديث المذكور‏.‏ قال في الفتح واتفق العلماء على أن المراد بهذا الحكم من مات زوجها واختلفوا في المعتدة من الطلاق البائن وكذا من وقف نكاحها‏.‏ وأما الرجعية فقال الشافعي لا يجوز لأحد أن يعرض لها بالخطبة فيها والحاصل أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات والتعرض مباح للأولى وحرام في الأخيرة مختلف فيه في البائن‏.‏ واختلف فيمن صرح بالخطبة في العدة لكن لم يعقد الا بعد انقضائها فقال مالك يفارقها دخل أو لم يدخل‏.‏ وقال الشافعي يصح العقد وان ارتكب النهي بالتصريح المذكور لاختلاف الجهة‏.‏ وقال المهلب علة المنع من التصريح في العدة أن ذلك ذريعة إلى المواقعة في المدة التي هي محبوسة فيها على ماء الميت أو المطلق وتعقب بأن هذه العلة تصلح أن تكون لمنع العقد لا لمجرد التصريح الا أن يقال التصريح ذريعة إلى العقد والعقد ذريعة إلى الوقاع وقد وقع الاتفاق على أنه إذا وقع العقد في العدة لزم التفريق بينهما‏.‏ واختلفوا هل تحل له بعدذلك فقال مالك والليث والأوزاعي لا يحل نكاحها بعد وقال الباقون بل يحل له إذا انقضت العدة أن يتزوجها إذا شاء‏.‏

 باب النظر في الخطوبة

1 - في حديث الواهبة المتفق عليه فصعد فيها النظر وصوبه‏.‏ وعن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم انظر إليها فإنه أحرم أن يؤدم بينكما‏)‏‏.‏

رواه الخمسة إلا أبا داود‏.‏

2 - وعن أبي هريرة قال ‏(‏خطب رجل امرأة فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا‏)‏‏.‏

رواه أحمد والنسائي‏.‏

3 - وعن جابر قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول ‏(‏إذا خطب أحدكم المرأة فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود‏.‏

4 - وعن موسى بن عبد اللّه عن أبي حميد أو حميدة قال ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا خطب أحدكم أحدكم إمرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة وإن كانت لا تعلم‏)‏‏.‏

رواه أحمد‏.‏

5 - وعن محمد بن مسلمة قال ‏(‏سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول إذا ألقي اللّه عز وجل في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها‏)‏‏.‏

رواه أحمد وابن ماجة‏.‏

حديث الواهبة نفسها سيأتي في باب جعل تعليم القرآن صداقا ويأتي الكلام عنه هنالك إن شاء اللّه‏.‏ وحديث المغيرة أخرجه أيضا الدارمي وابن حبان وصححه‏.‏ وحديث أبي هريرة أخرجه أيضا مسلم في صحيحه من حديث أبي حازم عنه ولفظه ‏(‏كنت عند النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انظرت إليها قال لا قال فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا‏)‏ وحديث جابر أخرجه أيضا الشافعي وعبد الرزاق والبزار والحاكم وصحه‏.‏ قال الحافظ ورجاله ثقات وفي إسناده محمد بن إسحاق وأعله ابن القطان بواقد بن عبد الرحمن وقال المعروف واقد بن عمرو‏.‏ ورواية الحاكم فيها واقد بن عمرو وكذلك رواية الشافعي وعبد الرزاق وحديث أبي حميدة أخرجه أيضا الطبراني والبزار وأورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه‏.‏ وقال في مجمع الزوائد رجال أحمد رجال الصحيح‏.‏ وحديث محمد بن سلمة أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححاه وسكت عنه الحافظ في التلخيص‏.‏

ـ وفي الباب ـ عن أنس عند ابن حبان والدارقطني والحاكم وابن عوانة وصححوه وهو مثل حديث المغيرة‏.‏ وعنه أيضا عند أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بعث أم سلمة إلى امرأة فقال انظري إلى عرقوبيها وشمي معاطفها‏)‏ واستنكره احمد والمشهور فيه من طريق عمارة عن ثابت عنه‏.‏ ورواه أبو داود في المراسيل عن موسى بن اسمعيل عن حماد مرسلا‏.‏ قال ورواه محمد بن كثير الصنعاني عن حماد موصولا‏.‏

وعن محمد بن الحنفية عن عبد الرزاق وسعيد بن منصور ‏(‏أن عمر خطب إلى علي ابنته أم كلثوم فذكر له صغرها فقال أبعث بها أليك فإن رضيت فهي امرأتك فارسل بها إليه فكشف عن ساقها فقالت لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينيك‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أن يؤدم بينكما‏)‏ أي تحصل الموافقة والملائمة بينكما قوله‏:‏ ‏(‏فإن في أعين الأنصار شيئا‏)‏ قيل عمش وقيل صغر قال في الفتح الثاني وقع في رواية أبي عوانة في مستخرجه فهو المعتمد وأحاديث الباب فيها دليل على أن لا بأس بنظر الرجل إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها والأمر المذكور في حديث أبي هريرة وحديث المغيرة وحديث جابر للإباحة بقرينة قوله في حديث أبي حميد فلا جناح عليه وفي حديث محمد بن مسلمة فلا بأس وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء‏.‏ وحكى القاضي عياض كراهته وهو خطأ مخالف للأدلة المذكورة ولأقوال أهل العلم‏.‏ وقد وقع الخلاف في المواضع الذي يجوز النظر إليه من المخطوبة فذهب الأكثر إلى أنه يجوز إلى الوجه والكفين فقط وقال داود يجوز النظر إلى جميع البدن وقال الأوزاعي ينظر إلى مواضع اللحم وظاهر الأحاديث أن يجوز له النظر إليها سواء كان ذلك بإذنها أم لا وروى عن مالك اعتبار الإذن‏.‏

 باب النهي عن الخلوة بالأجنبية والأمر بغض النظر والعفو عن نظر الفجاة

1 - عن جابر ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يخلون بامراة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان‏)‏‏.‏

2 - وعن عامر بن ربيعة قال ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له فإن ثالثهما الشيطان إلا محرم‏)‏‏.‏

رواهما أحمد‏.‏ وقد سبق معناه لابن عباس في حديث متفق عليه‏.‏

3 - وعن أبي سعيد ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد ولا المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد‏.‏

4 - وعن جرير بن عبد اللّه قال ‏(‏سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن نظر الفجأة فقال أصرف بصرك‏)‏‏.‏

رواهما أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي‏.‏

5 - وعن بريدة قال ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لعلي يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود والترمذي‏.‏

6 - وعن عقبة بن عامر ‏(‏أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار يا رسول اللّه أفرأيت الحمو فقال الحمو الموت‏)‏‏.‏

رواه أحمد والبخاري والترمذي وصححه‏.‏ قال ومعنى الحمو يقال أخو الزوج كأنه كره أن يخلو بها‏.‏

حديث جابر وعامر يشهد لهما حديث ابن عباس الذي أشار إليه المصنف وقد تقدم في باب النهي عن سفر المرأة للحج من كتاب الحج وقد أشار الترمذي إلى حديث عامر‏.‏ وحديث بريدة قال الترمذي حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك وأخرجه بهذا اللفظ من حديث علي البزار والطبراني في الأوسط قال في مجمع الزوائد ورجال الطبراني ثقات والخلوة بالأجنبية مجمع على تحريمها كما حكى ذلك الحافظ في الفتح‏.‏ وعلى التحريم ما في الحديث من كون الشيطان ثالثهما وحضوره يوقعهما في المعصية وأما مع وجود المحرم فالخلوة بالأجنبية جائزة لامتناع وقوع المعصية مع حضوره واختلفوا هل يقوم غيره مقامه في ذلك كالنسوة الثقات فقيل يجوز لضعف التهمة‏.‏ وقيل لا يجوز وهو ظاهر الحديث‏.‏ حديث أبي سعيد أخرج نحوه أحمد والحاكم من حديث جابر وأخرجه أيضا أحمد وابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط من حديث أبي موسى وأخرجه أيضا البزار من حديث سمرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل‏)‏ الخ فيه دليل على أنه يحرم على الرجل نظر عورة الرجل وعلى المرأة نظر عورة المرأة وقد تقدم في كتاب الصلاة بيان العورة من الرجل والعورة من المرأة‏.‏ والمراد هنا العورة المغلظة‏.‏ فقال في البحر فصل يجب ستر العورة المغلظة من غير له الوطء إجماعا لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏احفظ عورتك‏)‏ الخبر ونحوه انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا يفضي الرجل‏)‏ الخ فيه دليل على أنه يحرم أن يضطجع الرجل مع الرجل أو المرأة مع المرأة في ثوب واحد من الإفضاء ببعض البدن لأن ذلك مظنة لوقوع المحرم من المباشرة أو مس العورة أو غير ذلك‏.‏ وحديث بريدة فيه دليل على أن النظر الواقع فجأة من دون قصد وتعمل لا يوجد اثم الناظر لأن التكليف به خارج عن الاستطاعة وإنما الممنوع منه النظر الواقع على طريقة التعميد أو ترك صرف البصر بعد الفجأة وقد استدل بذلك من قال بتحريم النظر إلى الأجنبية ولم يحكه في البحر إلا عن المؤيد باللّه وأبي طالب‏.‏ وحكى في البحر أيضا عن الفقهاء والإمام يحيى أنه يجوز ولو لشهوة وتعقبه صاحب المنار أن كتب الفقهاء ناطقة بالتحريم قال ففي منهاج النووي وهو عمدتهم ويحرم نظر فحل لالغ إلى عورة حرة أجنبية وكذا وجهها وكفيها عند خوف فتنة وكذا عند الأمن على الصحيح ثم قال في نظر الأجنبية إلى الأجنبي كهو اليها‏.‏ وفي المنتهى من كتب الحنابلة ولشاهد ومعامل نظر وجه مشهود عليها ومن تعامله وكفيها لحاجة والحنفية لا يجيزون النظر إلى الوجه والكفين مع الشهوة ولفظ الكنز ولا ينظر من اشتهى‏.‏ قال الشارح العيني في الشاهد لا يجوز له وقت التحمل أن يننظر إليها لشهوة هذا ما تعقب به صاحب المنار قال بهجة المحافل للعامري الشافعي في حوادث السنة الخامسة ما لفظه‏.‏ وفيها نزول الحجاب وفيه مصالح جليلة وعوائد في الإسلام جميلة ولم يكن لأحد بعده النظر إلى أجنبية لشهوة أو لغير شهوة وعفى عن نظر الفجأة انتهى‏.‏ وفي شرح السيلفية للإمام يحيى في شرح الحديث الرابع والعشرين في شرح‏.‏ قوله ‏(‏إياكم وفضول النظر فإنه يبذر الهوى ويولد الغفلة‏)‏ التصريح بتحريم النظر إلى النساء الأجانب الشهوة أو الغير شهوة‏.‏ وقال ابن مظفر في البيان إنه يحرم النظر إلى الأجنبية مع الشهوة اتفاقا‏.‏ وقال الإمام عز الدين في جواب له والصحيح المعمول عليه رواية شرح الأزهار وهي رواية البحر أن الإمام يحيى ومن يجوزون النظر ولو مع شهوة انتهى‏.‏ ومن جملة ما استدل به المانعون من النظر مطلقا قوله تعالى ‏{‏قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم‏}‏ وقوله تعالى ‏{‏فاسألوهن من وراء الحجاب‏}‏ وأجيب بأن ذلك خاص بأزواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لأنه إنما شرع قطعا لذريعة وقوف أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في بيته ولا يخفى أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب‏.‏

ـ ومن جملة ـ ما استدلوا به حديث ابن عباس عند البخاري ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أردف الفضل بن العباس يوم النحر خلفه وفيه قصة المرأة الوضيئة الخثعمية فطفق الفضل ينظر إليها فأخذ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بذقن الفضل فحول وجهه عن النظر إليها‏)‏‏.‏ وأجيب بأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إنما فعل ذلك لمخافة الفتنة لما أخرجه الترمذي وصححه من حديث علي وفيه فقال العباس لويت عنق ابن عمك فقال رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما الفتنة‏.‏

وقد استنبط منه ابن القطان جواز النظر عند أمن الفتنة حيث لم يأمرها بتغطية وجهها فلو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل ولو لم يكن ما فهمه جائزا ما أقره عليه‏.‏ وهذا الحديث أيضا يصلح للاستدلال به على اختصاص آية الحجاب السابقة بزوجات النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لأن قصة الفضل في حجة الوداع وآية الحجاب في نكاح زينب في السنة الخامسة من الهجرة كما تقدم‏.‏ وأما قوله تعالى ‏{‏ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها‏}‏ فروى البيهقي عن ابن عباس أن المراد بما ظهر الوجه والكفان وروى البيهقي أيضا عن عائشة نحوه وكذلك روى الطبراني عنها‏.‏ وروى الطبراني أيضا عن ابن عباس قال هي الكحل‏.‏ وروى نحو ذلك عنه البيهقي‏.‏ وقال في الكشاف الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب فما كان ظاهرا منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب فلا بأس بابدائه للأجانب وما خفي منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والأكليل والوشاح والقرط فلا تبديه الا لهؤلاه المذكورين وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر لان هذه الزين واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن فنهى عن ابداء الزين نفسها ليعلم أن النظر إليها إذا لم يحل لملابستها تلك المواقع بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنا في الحظر ثابت القدم في الحرمة شاهدا على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين اللّه في الكشف عنها انتهى‏.‏

ـ والحاصل ـ أن المرأة تبدي من مواضع الزينة ما تدعو الحاجة إليه عند مزاولة الأشياء والبيع والشراء والشهادة فيكون ذلك مستثنى من عموم النهي عن إبداء مواضع الزينة وهذا على فرض عدم ورود تفسير مرفوع وسيأتي في الباب الذي الذي بعد هذا ما يدل على أن الوجه والكفين مما يستثني‏.‏ قوله ‏(‏الحمو الموت‏)‏ أي الخوف منه أكثر من غيره كما أن الخوف من الموت أكثر من الخوف من غيره قال الترمذي يقال هو أخو الزوج وروى مسلم عن الليث أنه‏.‏ قال الحمو أخو الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج ابن العم ونحوه‏.‏ وقال النووي اتفق أهل اللغة على أن الأحماء أقارب زوج المرأة كأبيه وأخيه وابن أخيه وابن عمه ونحوهم وأن الأختان أقارب زوجة الرجل وأن الأصهار تقع على النوعين انتهى‏.‏

 باب أن المرأة عورة إلا الوجه والكفين وأن عبدها كمحرمها في نظر ما يبدو منها غالبا

1 - عن خالد بن دريك عن عائشة ‏(‏أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه‏)‏‏.‏

رواه أبو داود وقال هذا مرسل خالد بن دريك لم يسمع من عائشة‏.‏

2 - وعن أنس ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها قال وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ما تلقى قال إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك‏)‏‏.‏

رواه أبو داود ويعضد ذلك قوله ‏(‏إذا كان أحدا كن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه‏)‏‏.‏

حديث عائشة في إسناده سعيد بن بشير أبو عبد الرحمن النصري نزيل دمشق مولى بني نصر وقد تكلم فيه غير واحد‏.‏ وذكر الحافظ أبو أحمد الجرجاني هذا الحديث ولا أعلم رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير وقال مرة فيه عن خالد بن دريك عن أم سلمة بدل عائشة‏.‏ وحديث أنس أخرجه أيضا البيهقي وابن مردويه وفي إسناده أبو جميع سالم بن دينار الهجيمي البصري‏.‏ قال ابن معين ثقة‏.‏ وقال أبو زرعة الرازي بصري لين الحديث والحديث الذي أشار إليه المصنف وجعله عاضدا لحديث أنس قد تقدم في باب المكاتب من كتاب العتق‏.‏

قوله ‏(‏دريك‏)‏ بضم الدال مصغرا وهو ثقة‏.‏ وقيل بفتح الدال والضم أكثر‏.‏ قوله ‏(‏لم يصلح‏)‏ بفتح الياء وضم اللام قوله‏:‏ ‏(‏الا هذا وهذا‏)‏ فيه دليل لمن قال أنه يجوز نظر الأجنبية‏.‏ قال ابن رسلان وهذا عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو ما دونه أماعند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساق‏.‏ وحكى القاضي عياض عن العلماء أنه لا يلزمها ستر وجهها في طريقها وعلى الرجال غض البصر للآية وقد تقدم الخلاف في أصل المسألة‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏إذا قنعت‏)‏ بفتح النون المشددة سترت وغطت‏.‏ قوله ‏(‏إنما هو أبوك وغلامك‏)‏ فيه دليل على أنه يجوز للعبد النظر إلى سيدته وأنه من محارمها يخلو بها ويسافر معها وينتظر منها ما ينظر إليه محرمها وإلى ذلك ذهبت عائشة وسعيد بن المسيب والشافعي في أحد قوليه وأصحابه وهو قول أكثر السلف وذهب الجمهور إلى أن المملوك كالأجنبي بدليل صحة تزوجها اياه بعد العتق وحمل الشيخ أبو حامد هذا الحديث على أن العبد كان صغيرا لإطلاق لفظ الغلام ولأنها واقعة حال واحتج أهل القول الأول أيضا بحديث الاحتجاب من المكاتب الذي أشار إليه المصنف وبقوله تعالى ‏{‏أو ماملكت أيمانكم‏}‏ وقد تقدم ما أجاب به سعيد بن المسيب من أن الآية خاصة بالأماء كما رواه عنه ابن أبي شيبة‏.‏

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تاب الطلاق للعدة محكما وكاملا

كتاب الطلاق المُحْكَم والكامل كتاب الطلاق المحكم والكامل منقحا هيتميل  نسخة منقحة ليس فيها درافت بلوجر الملوث للمدونة ومذيلة بموضوع ال...